«مفيش راجل بيعيط».. رحلة استغرقت 10 أعوام
ظلَّت أعراف متوارثة اجتماعيًّا تحث الذكور على كبت مشاعرهم وعدم التعبير عنها هاجسًا يؤرق المخرج المصري محمد مصطفى إلى أن واتته الفرصة أخيرًا لصنع فيلم وثائقي ينطلق من سؤال.. هل بالفعل «مفيش راجل بيعيط؟»، وهو السؤال الذي أدخله في رحلة استغرقت عشرة أعوام اقترب خلالها من عالم رجولي شديد الخصوصية وسط حراس الأمن ولاعبي كمال الأجسام للتعرف عما يخبئونه وراء العضلات المفتولة والأجسام الرياضية.
ويأتي فيلم «مفيش راجل بيعيط»، وتبلغ مدته 76 دقيقة من إنتاج شركة «حصالة» بالشراكة مع «دي نويه لوكس» وصندوق البحر الأحمر السينمائي، وحصل على دعم من صندوق البحر الأحمر السينمائي ومؤسسة الدوحة للأفلام ومؤسسة المورد الثقافي.
وعرض الفيلم للمرة الأولى عالميًّا، الإثنين، في مهرجان الجونة السينمائي في مصر بدورته التاسعة ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية التي تضم 11 فيلمًا.
ويتتبع الفيلم قصة عبد الله العربي، الذي عمل في السابق حارس أمن، قبل أن يترك المجال ويفتح صالة للألعاب الرياضية بعد تورطه في قضية كادت أن تدخله إلى السجن وتقضي على مستقبل أسرته، وبمرور الوقت يتحوَّل العربي تدريجيًّا خلال الفيلم من شخصية أمام الكاميرا إلى صديق ورفيق ومُعلم للمخرج، يقوده إلى الانخراط وسط عالم حراس الملاهي الليلية وكواليس مسابقات كمال الأجسام وصالات المصارعة بالأندية الشعبية.
وينحدر أبطال الفيلم من أحياء شعبية، حيث تبدو الخيارات محدودة، فيصبح الجسد واحدًا من الأصول القليلة التي يمكن استثمارها وتحويلها إلى مصدر رزق ومكانة ونفوذ، فبالنسبة لبعضهم، كمال الأجسام ليس مجرد رياضة، بل مشروع حياة ووسيلة للنجاة، فأجسادهم هي رأس مالهم وأداتهم للعمل، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليهم ثمنًا جسديًّا ونفسيًّا.
وبعد نجاحه في بناء الثقة مع المشاركين في الفيلم من خلال معايشة وثيقة ظهرت على الشاشة، يكشف المخرج عن طبقات مخبأة أسفل العضلات من الهشاشة والضعف البشري والخوف الطبيعي من تقلبات الحياة والمستقبل والمرض وأشياء أخرى، وتظهر الشروخ في صورة الرجل القوي، ليعيد الفيلم صياغة معنى الرجولة بكونها شيئًا يتشكل ويتعلمه الإنسان ويتكيف معه بحسب السياق، لا مجرد صفة ثابتة يولد بها.
وذكر مصطفى أنَّ الفيلم بدأ بفضول شخصي، انطلق من مطالعة الدراسات السوسيولوجية الذكورية وقراءة بعض الكتب الغربية عن بناء الهوية، قبل أن يبدأ في البحث عن مدخل مناسب لعالم حراس الأمن ولاعبي كمال الأجسام يجعلهم على حريتهم ويخرجون ما بداخلهم تلقائيًّا، بعكس ما يبدون طوال الوقت من قوة وتجهم، ثم كانت المرحلة التالية هي «إيجاد لغة مناسبة» للفيلم.
وقال: «رغم أنني أنحدر من حي مشابه لهؤلاء الرجال، فقد عشت في بيئة محمية طوال حياتي، لم أكن أحب الرياضة، بل كنت أميل إلى الفنون والأشغال اليدوية، وكان من التعليقات الشائعة التي أسمعها ممن حولي فمثلًا كلمة استرجل، حتى لو كان معنى ذلك أن أكون عنيفًا وأن أقمع مشاعري، هذه التنشئة غذت فضولي تجاه الفضاءات الذكورية، صالات الألعاب الرياضية والمقاهي الشعبية وغيرها، برغبة في تشريح التفاعلات بين الرجال وديناميكيات القوة التي تحكمها».
ويتحدث مصطفى عن تطور علاقته مع العربي، بطل الفيلم، قائلًا إنها لم تكن سلسة في البداية، حيث اختلفا منذ اللقاء الأول، لكن هذا ما زاده إصراره على أن يكون العربي هو الشخصية الرئيسة بسبب طبيعته الرافضة للسيطرة أو التحكم، مشيرًا إلى أنه بعد تفهم كل منهما لطبيعة الآخر صارا صديقين.
وعن اختياره للقالب الوثائقي وليس الروائي لتناول فكرته، أكد مصطفى «الفيلم قائم على التفاعل، أنا جزء من الفيلم لكن لا أظهر فيه كثيرًا، لذلك أعتبر أنني مع الشخصيات التي ظهرت على الشاشة تعاونا معًا في صنع الفيلم، فهذه رحلة استكشاف لعالم كان يبدو لي غامضًا لفترة طويلة، بينما القالب الروائي محكم، تحدده رؤية مسبقة للمخرج».
وعلى الرغم من انتهاء الفيلم ووصوله إلى الجمهور، يبدو الأثر الذي أحدثه في نفس مخرجه ممتدًا، ليس على مستوى الرؤية الفنية والصور الذهنية فحسب لكن في ممارساته الحياتية إذ يواظب حاليًّا على تدريبات المصارعة في أحد مراكز الشباب الشعبية.