ناقل الحزن والفرح.. لن يعود
تمر عليه الوجوه.. أحياناً فرحة ضاحكة مستبشرة تتفلت من ملامحها ابتسامات لا تنقطع.. أحياناً يغشاها الألم والحزن والحسرة والانكسار.. هذا قدره طوال أربعين عاماً عاشها خلف مقود حافلة تنقل لاعبي النصر في كل لقاء.. يصحو من نومه يوم المباراة.. يردد: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم".. يواصل قلبه الطيب الدعاء.. "يا رب انصر النصر حتى نفرح ويفرح اللاعبون وتكون رحلة العودة بين الملعب والنادي رحلة فرح وأرواح مبسوطة".
شعور مبهج وكل من في الحافلة مشغول بالفوز والفرح.. أربعون عاماً من التفاصيل التي لا يمكن حصرها بسهولة.. يطالع حسين إبراهيم من المرآة الصغيرة انعكاسات ضحكاتهم بعد نهاية مباراة النصر والهلال على نهائي كأس الملك عام 1407 ..انتهى اللقاء بفوز النصر بهدف ماجد عبدالله.. رئيس النادي الأمير عبدالرحمن بن سعود يتحدث مع يوسف خميس طويلاً عن الكرات الطويلة التي أجاد تطبيقها من الجهة اليسرى.. المدرب الفرنسي هيربان ذو الملامح الحادة يتحدث بهدوء مع المترجم.. الهريفي يتبادل الضحكات مع حسن حمران.. ماجد عبدالله بالكاد يمكن رؤيته في آخر الحافلة.. زحمة وجوه وعابرون عن تلك الليلة التي لم ينسها حسين..
ليلة أخرى يحتفظ بها في ذاكرته.. نهائي كأس ولي العهد 2014 .. المدرب الأورجواني كارينيو يحفز اللاعبين في الطريق إلى ملعب الملك فهد.. عبدالغني يتحدث عن أهمية وضرورة انتزاع اللقب أمام الغريم التقليدي الهلال.. المهمة صعبة جداً.. أمام النصر منعطف خطير.. الطريق مزدحم إلى الملعب القابع في شرق الرياض.. الجماهير تلوح وتطالب اللاعبين بالفوز.. الصرخات تخترق الزجاج.. الوصول للملعب لم يكن هادئاً.. المعنويات مرتفعة.. يتسابق اللاعبون للنزول من الحافلة.. تنتهي المواجهة بفوز نصراوي.. يمكثون طويلا في غرفة الملابس منشغلين باللقب الغالي.. يتوافدون على الحافلة مجدداً.. يحتضنون حسين.. تنطلق الرحلة المعتادة.. شايع شراحيلي يغني وقنوات فضائية تجري لقاءات مع اللاعبين.. يتذكر حسين كل ما حدث.. ليلة لم تبرح ذاكرته وذكرياته.. يعتبرها ليلة لا تنسى..
يخسر النصر أمام الهلال يوم السبت الماضي ويودع آخر آماله في المنافسة.. حزن يسود الوجوه النصراوية.. الصمت يتسيد المشهد.. بالكاد تسمع همساً داخل الحافلة.. لا أحد في استقبالها عند مداخل المقر الأصفر وسط حي العريجاء جنوب الرياض.. رحلة فيها كثير من الهم والغم.. لم يعرف حسين أنها ستكون الأخيرة.. يأخذ إجازة قصيرة ويتجه إلى مكة المكرمة لأداء العمرة مع عائلته..
سائق الحافلة حسين إبراهيم الذي عاش أربعين عاماً متواصلة داخل حافلة النصر يتعرض إلى حادث مروري مروع وينتقل إلى رحمة رب السماوات والأرض.. طويت الصفحة.. كانت "الرياضية" قد التقته وأجرت معه حواراً عن ما يختزنه في هذه الرحلة القصيرة.. قال ما تجود به نفسه.. كان اللقاء الأخير.. رحم الله حسين إبراهيم.. ناقل الفرح والحزن..