تحوي المملكة عدداً كبيراً من المرافق الشبابية، وأقصد بالشبابية ما يتعلق بالمرافق الرياضية مثلاً، أو الثقافية والاجتماعية كالمكتبات والأندية الثقافية، في وقت تجاوز عدد السكان بالمملكة أكثر من ثلاثين مليوناً وسبعمائة ألف نسمة وبزيادة سنوية تقدر بـ 2.55 % بحسب مصلحة الأحصاء.
وعلى الرغم من عدم التناغم الجغرافي لهذه المرافق وعدم كفاية التوزيع اللامركزي (أي وجود عدد أكبر من المراكز في المدن الكبرى مع قلته في المدن الصغرى) وكذلك تركزها في بعض الأحياء في المدن الكبرى دون الأحياء الأخرى)، والسبب الذي أفسره، أن عدداً كبيراً من المرافق الحكومية الشبابية، تم بناؤه في فترة كان التوزيع الديموغرافي للسكان لا يتطلب أكثر من ذلك، وأيضاً كان النمو الحضري وتوسع المدن أقل مما نشهده حالياً. إن بناء العديد من تلك المرافق لهو من المشاريع التي نفخر بها ونشكر من قاموا عليها. لكن مع ذلك، عند دخول تلك المرافق، هذا إن استطعت الدخول، لن تجد الأعداد الكبيرة التي تستخدم هذه المرافق، وهذا يطرح علنياً لزاماً تساؤلاً هاماً: أين الخلل؟ لماذا؟
لا شك أن الزيادة السكانية في المملكة خلال السنوات العشر الماضية، والتغيرات الاقتصادية، والسكانية، والنمو الديموغرافي والحضري كان لها دور هام في التأثير على المرافق الشبابية.
نشاهد بعض القطاعات الخاصة، كالأندية الرياضية الخاصة، أو المقاهي، تئن من كثرة الازدحام بعدد كبير من الشباب، فأين السر في ذلك؟ هل هي إدارة المكان؟ نظافته وحداثته؟ نوع الخدمة؟ استخدام التقنية؟ التجديد المستمر؟ نوع التعامل؟
بلا شك أن الإجابة تشمل كل هذا وأكثر ولكن دعني عزيزي القارئ التركيز على نقطتين هامتين هنا: الأولى أن سياسات إدارة المرافق الشبابية وتشغيلها هي ليست صديقة للمواطن، فإذا كان مثال لدينا من أكبر المكتبات في مدينة الرياض وفي موقع إستراتيجي، تغلق أبوابها الساعة الثانية والنصف كمرفق حكومي، فأين يذهب الشباب بقية التسع ساعات المتبقية في اليوم؟
إذا كانت المعدات الرياضية مثلاً في أحد لا يمكن استخدامها في أحد المرافق الرياضية ولا يسمح لك بالدخول ما عدا من الساعة الرابعة حتى الساعة الثامنة، فهذا هدر كبير لهذا المرفق بقية الخمس عشرة ساعة المتبقية.
إذا كان الموظف في مثل هذه المرافق لا يتغير راتبه ولا يزيد ولا ينقص، مع هاجس "الصيانة" الفزاعة التي يحاول استخدامها لتقليص العدد أو ساعات العمل، فهناك خلل.
إنه من الأهمية بمكان إعادة فلسفة إنشاء هذه الأماكن إنها جعلت من أجل المواطن، وإنها لأبناء هذا الوطن، بل وإن طريقة إدارة هذه الأماكن يجب أن تتحول من الإدارة التقليدية إلى الإدارة عن طريق الإنجاز، وذلك بربط زيادة الراتب والمكافآت بنسب التشغيل والأعداد وساعات العمل، أي كلما كان هناك عدد أكبر من المستخدمين زاد راتبك، كلما زاد عدد الرياضيين الحاصلين على مراكز وطنية أو إقليمية أو دولية، زاد راتبك وزاد الدعم لهذه المنشأة، وأيضاً كلما زاد رواد المكتبة، تم احتساب نقاط تضيف للأجر وهكذا.
لا شك أن كثيراً من المرافق الموجودة هي عمل جليل قدمته الدولة، لكن ما الفائدة إذا لم يعرف هذه المرافق أحد على الرغم من وجودها بالقرب منا، ما الفائدة إذا لم تتواجد مثل هذه الخرائط التفاعلية على الإنترنت تبين أي مرفق قريب منك جغرافياً، وما هي أنشطته، بل سبل جذب المرتادين له.
لا أنكر أن كثيراً من المرافق بحاجة إلى تحديث مادي، لكن الأهم وما أدعو إليه هو إعادة فلسفة التفكير في سياسات وأسباب وجود مثل هذه المنشآت، ولا سيما مع وجود حقيقتين مؤثرتين في ذلك، الأولى أن نسبة الشباب في المملكة العربية السعودية تشكل أكثر من خمس وستين في المائة من عدد السكان، والحقيقة الثانية أن ما يحدث من أحداث إقليمية جعلت المملكة في خطر الإرهاب، يلزم علينا الاهتمام بهذه الفئة.