> مقالات

فهد علي
تكلم كي لا أراك
2017-09-21



 

 

في صفحة إلكترونية تُعنى بالصور والأعمال الفنية، رأيت فيها قبل سنوات صورة لجملة "توقفوا عن جعل الحمقى مشاهير"، مكتوبة على حائط باللغة الإنجليزية. تُرجمت الجملة إلى اللغة العربية مؤخرًا وربما لاقت كل هذا القبول؛ لأنها أشفت حنق الناس تجاه وجوه الطائشين البازغين من هواتفنا، وقد أتت في زمن تواءم مع رفضنا لأولئك الذين تداولنا فيديوهاتهم وأضحكونا أو أبهرونا في البدء؛ حتى نصّبناهم بالخطأ رموزًا اجتماعيًّا.

 

ولأن سقراط يقول: "تكلم كي أراك" فإن المشهور في وسائل التواصل الذي يحظى بقبول ويلاقي آذانًا تصيخ السمع سيتحدث في كل موضوع وفي كل مكان، ابتداءً من غرفة نومه وانتهاءً إلى الحديث في مهرجان أو ندوة ما، سيتكلمون يا سقراط حتى يتلاشى وهجهم تدريجيًّا بعدما يتّضح ما يستحق أن نراه فيهم. وبنظري لو عاش بيننا سقراط بعد أول ثلاثة يحاورهم فسوف يعيد صياغة جملته مع الرابع ليقول إليه: "تكلّم كي لا أراك". المشكلة ليست مع البازغين والآفلين سريعًا، كل الاحتفاءات التي يلاقيها هؤلاء المعروفون حديثًا، لا يعني شيئًا، حيث إنهم لم يبقوا طويلاً في ذاكرة المجتمع،..

 

ثم هم يعترفون منذ البدء بعدم تقديمهم فكرًا جادًّا. الذين مثل أحجار الدومينو تساقطوا وتدحرجوا، إنهم المألوفة وجوههم مسبقًا، أولئك الكبار مانحو أنفسهم لقب الكاتب أو المفكر أو الداعية، مقدّمون إلى عقل المجتمع شعور الإحباط منهم بعد وسائل التواصل التي بيّنت ازدواجيات "تغريداتهم" وتناقض "فيديوهاتهم"، فمعظمنا آسف على مكانات عالية وضعناهم فيها لعشرات السنوات. 

 

كنا نؤمن باتّزان عقولهم وسلامة نواياهم، لكن مع حشر أنفسهم في منصات افتراضية كثيرة وسمعنا خطاباتهم وكرروها مليًّا وتناقضوا معها، ليس لنا الآن سوى أن ترتدي وجوهنا ملامح السخط ونقول مثلما قال "سعيد صالح" جملته الشهيرة: "يا متعلّمين يا بتوع المدارس". 

 

إن زمن التواصل الكلاسيكي عبر السيديهات والكتب والإطلالات القليلة لشحّ الوسائل، أثار في عقولنا رغبة معرفة جوانب عديدة ما لدى المثقفين وأصحاب الأصوات الداعية حيازتها تصورّات وأفكارًا منهجية مختلفة، أتى "تويتر" و "الفيسبوك" والعالم الرقمي في الدقائق الأخيرة من مشاريعهم، لكنهم سجّلوا فيه هدفًا على مرمامهم. 

 

غالب اعتقادي، بل إني متيقن أن الحديث في وسائل التواصل عملية فضائحية نتصفّح فيها العقول لا الحسابات؛ فأولئك العشرات الذين أحببتهم وقلّدتهم الإعجابات بعد هذا العالم الضاج الجديد، قد سقط معظمهم.