> مقالات

محمد فراج
سطوة الفن (2/1)
2018-06-04



هل فكر أحدٌ لماذا خُصَّ هذا الشهر الكريم بهذا التكالب الدرامي الكوميدي التراجيدي غير المبرر دون بقية أشهر العام؟! رُبما.. وهذا وارد.. فالزخم الإعلامي الذي هُيئ للبث خلال 30 يومًا فقط "تقل لا تزيد"، من بين 360 يومًا "تزيد لا تقل".. يدعو للحيرة..!!

من السنن القديمة التي سنها الإعلام المصري بوصفه الأقدم وحائز قصب السبق.. أنه ربط رمضان بالفوازير والبرامج الحوارية والكاميرا الخفية وغيرها، ويقينًا أن تلك الأعمال الفنية باتت إرثًا له أصالته ورونقه، وقد أثْرَت بطابعها الفريد حياتنا، وتركت بصمة حاضرة بقوة في أذهان جميع محبيها، وكانت سمة مرتقبة لها هالتها الباهرة في سماء الفن عمومًا كلما هلَّ هلالها..

وامتثالاً واعتزازًا بهذه العادة أو محاكاةً لها، يتبارى أهل الفن في هذا الوقت من كل عام، في عرض ما يأسِر مشاهديهم ويكون حديث مجالسهم وموضوع ساعاتهم وملتقياتهم، فهم يعرفون ما للإعلام والفن من أثر في حياة الناس وسلوكياتهم وثقافاتهم، وتوجيه ميولهم وتكوين آرائهم وتوجهاتهم، ويدركون أيضًا أن الفن يتسلل إلينا خِلسة من نوافذ وشرايين متعددة في يقظتنا وأحلامنا..

عبر وسائل سهلة ومتاحة وميسرة.. فيجد الآذان الصاغية والجوارح الحاضرة.. لتحقن بالجرعة النشطة ـ وربما المخدرة ـ داخل المحلول الفني مما تجود به الشاشات في مغذياتها الدسمة.. فهل يعي أهلُ الفن عند تقديم الوجبات الشهية الرمضانية، بعد انقطاع المشاهد عن الأكل وكل دواعي النفس لما يزيد على 14 ساعة في المتوسط، مشكلة عسر الهضم عند بعض المشاهدين، وألا يؤثروا فتح الشهية على تفاصيل القضية.. (أشك... مع إني متأكد)..

وفي عالم السينما أيضًا.. التاريخ لا ينسى.. ويدوِّن، فبالنظر إلى السينما المصرية وهي الأشهر والأقدم، ـ نلحظ أنها لم تستلهم الرسالة المأمولة، ولم تظهر الواقع بكل حيادية.. وكان شغلها الشاغل ما يخدم العمل الفني، ويشكل الفنان ويبرزه في الصورة اللائقة لا أكثر، دون غياب الجانب الربحي بالطبع، باستثناء بعض الأعمال ـ إنصافًا وإحقاقًا للحق ـ..
نحن لا ننكر أنها أسست لزرع أصول البسمة ورسمها على ثغر الملايين، ووثقت عرى تلك الصناعة في الشرق.. كما صنعت هامات فنية وقامات إعلامية حفظ الدهر أدوارها وملامحها ـ.. لكنك عزيزي القارئ ـ وهذا موضع الشاهد ـ لو سألت أي صديق لم يزر مصر مسبقًا عن انطباعاته عنها ـ.. لمنحك إجابة تتعرق لها الجباه من سوء وقعها عن أم الدنيا.. الدولة ذات الحضارة والتاريخ.. والمكانة والمجد.. والتقاليد الخلقية والمآثر الباقية..
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما معنى سطوة؟!