> مقالات

صالح الخليف
محيط بين المحيميد وخال
2019-07-18



الكتابة أنواع وأشكال وملامح كما هي وجوه الناس في الشوارع المزدحمة.. ولا يمكن بسهولة تحديد طبيعة الكتابة الأسهل والأبسط.. والكتابة كما أظن أنها بشكل عام ميسرة ومثل شرب الماء، لكن الوصول لدرجة العبقرية فيها صعب للغاية، لأن أي واحد يمكن أن يكتب، بل إن مدرسي مادة التعبير في الابتدائي والمتوسطة يطالبون تلاميذهم بالكتابة عن الشتاء أو الصيف أو أحوال الطقس دون تبصيرهم بالطرق المثالية للكتابة..
بالطبع ليس هناك طرق مثلى، فكل الطرق تتقاطع عند مفارق اللغة والفكرة والأسلوب.. الكتابة في الصحافة هي الأخرى ليست سهلة.. الروائيون السعوديون لم ينجح منهم أحد تحت هذه الظلال.. أقصد ليس هناك روائي سعودي نجح في فرض اسمه على صفحات الجرائد.. هناك استثناء وحيد يتمثل في الدكتور تركي الحمد والسبب أنه كان يكتب في الصحافة عن تخصصه السياسي وأحوال ومتغيرات الساحة الدولية، بينما ظلت روايته تتناول الجانب الاجتماعي والإنساني والأخلاقي.. وكما سمعت من صاحب مكتبة شهيرة في القاهرة أن ثلاثية تركي الحمد لا تزال الأكثر مبيعًا والأكثر طلبًا من جميع القراء العرب الذين يأخذون نصيبهم من المؤلفات الأدبية خلال زيارتهم لعاصمة المصريين.. هناك يوسف المحيميد وهذا في اعتقادي الروائي السعودي الأعمق، إلا أنه لم يستطع أن يسجل نجاحات مشهودة ككاتب صحفي، وأيضًا عبده خال صاحب الإنتاجية الغزيرة، وهو أيضًا كتب طويلاً للصحافة دون أن يترك أثرًا يذكر فيما يعد أحد أهم الروائيين في العالم العربي طوال الخمسة عشر عامًا الماضية.. أما أسباب نجاحات المحيميد وخال في الرواية والفشل إن صح التعبير في الصحافة، فذاك يعود إلى كون الكتابة الصحفية تلتزم بمعايير لا يستطيع من اعتاد على كتابة الأفق المفتوح التعاطي معها.. الروائيون عادة لا يشغلهم ما يسمى مجازًا في الصحافة بمقص الرقيب، ولا تشغلهم المساحة وعدد الكلمات ولا تشغلهم الفكرة المحددة والواضحة التي يجب أن يبدأ بها المقال وينتهي.. بعض الروايات نهاياتها مفتوحة وغامضة، وهذا يعده كثير من النقاد جرأة ومن متطلبات الحبكة الدرامية التي تستدعي ختامًا مضطربًا.. المحيميد وخال يكتبان صحفيًّا في الهم الاجتماعي وروايتهم تدور في ذات الكوكب، ولهذا تبدو الفوارق شاسعة بين كتاباتهم في الصحف وفي منشوراتهم وإصداراتهم.. لا أقول إن كتابة الرواية أسهل من كتابة المقال.. لو قلت ذلك سأكون كمن يسبح في شبر مياه ويقول السباحة بسيطة، فكيف يغرق الناس كل يوم..
الكتابة الصحفية والكتابة الروائية عالمان يعيشان في قارتين متباعدتين يفصلهما محيط تغمره الملوحة وأمواجه لا تهدأ سوى ليلة واحدة طوال العام.. بينهما برزخ لا يلتقيان.. هل أنا مشتت كما هو حال المحيميد وخال ما بين الرواية والصحيفة..؟ حاولت أن أعبر المحيط.. حاولت ولا أعرف النتيجة..