> مقالات

أحمد الحامد⁩
سعادة المغمورين وتعاسة المشهورين
2020-05-25



اعتدت قبل النوم على مشاهدة اليوتيوب، أنتقي لقاءً مع شخصية ما، أو قصة أستمع إليها، أو برنامجًا يتحدث صاحبه عن ما هو ممتع وشيق، وهذا من فضائل اليوتيوب الذي وضع القنوات التلفزيونية في زاوية صعبة يتطلب الخروج منها الابتعاد عن كلاسيكيتها والكرم في الإنفاق على برامجها كي تقول للمشاهدين بأن التلفزيون فقط لديه المقدرة على دفع المبالغ الكبيرة على برامجه.
مبتعدين بذلك عن مقارنته بالبرامج التي تقدم على اليوتيوب التي لا تكلف سوى كاميرا وإضاءة في بعض الأحيان، بالأمس وأنا أتجول عبر اليوتيوب ظهرت لي حلقة من مسلسل “مرايا” أنتجت عام 1998، والحلقة كانت تدور عن حال الأديب العربي المتفرغ للكتابة الذي لا يحصل مقابل أدبه وشهرته ما يجعله بعيدًا عن العوز فيضطر إلى قضاء ساعات طويلة من يومه بالعمل في غير الكتابة، أو أنه يضطر لترك المجال مكتفيًا بما أصدره من إنتاج ومبتعدًا عن المجال برمته باحثًا عما يحقق له دخلًا
له ولأسرته، ومتنازلاً عن بريق شهرته، في المشهد الأخير من الحلقة يظهر الممثل ياسر العظمة وهو ينظر للكاميرا مباشرة بعد أن صار مجبرًا لظروفة الصعبة أن يكتب قصصًا قصيرة بغير اسمه من أجل الحصول على المال، متسائلاً: من الأفضل سعادة المغمورين أم تعاسة المشهورين ؟ يطرح هذا السؤال واقعًا صعبًا يعيشه المشتغلون بالأدب في عالمنا العربي، وأقول عالمنا العربي لأنني قريب منه ولا أعلم عن عوالم أمريكا الجنوبية وإفريقيا، لكنني أعرف تمامًا أن أوروبا نعيم الناجحين لمجرد أنهم يعيشون في قارة تحفظ حقوقهم الأدبية وتدفع لهم دور النشر بعدالة ما يقيهم الهروب من الأدب وفنونه، وهذا من ضمن ما يفسر الكم الأدبي الكبير الذي ينتج سنويًا هناك، لا يعني ذلك أن دور النشر تنشر لأي شخص أنجز كتابه، لكن نجاح الكتاب إذا ما نُشر يحقق عائدًا يبعد الكاتب عن ضيق الحال والحاجة، بل يصنع له بحبوبة تجعله يتفرغ لفنه، وهذا ما يحصل لمعظم الكتاب الأوروبيين، في العام 2015 حققت رواية “الرجل ذو المئة عام الذي خرج من النافذة واختفى” دخلاً للكاتب السويدي يوناس يوناسون بلغ 4.77 مليون دولار، وتنخفض أرقام إيرادات الكتاب عن ذلك وتعلو، في العام 2018 حقق الروائي الأمريكي جيمس باترسون دخلاً من مبيعات كتبه وصل إلى 86 مليون دولار..
كل هذه الأرقام تجعل الكتّاب متفرغين للكتابة، أما بالنسبة للكتّاب العرب فقد يستغرق الأمر عدة سنوات عندما تنتشر ثقافة شراء الكتب عبر الإنترنت بشكل يشبه الواقع الأوروبي، يستطيع خلالها الكاتب نشر مؤلفاته دون الحاجة لدور النشر المتعارف عليها.