> مقالات

إبراهيم بكري
الحياة عادت.. ولكن!
2020-05-27



في عام 1600م، بني في مدينة فينيسيا الإيطالية أو “البندقية” جسر يربط بين قصر “دوتشي” مقر قاعة المحكمة والسجن القديم.
تقول الحكايات في فينيسيا: “إن السجناء كانوا يطلبون من السجانين أن يسمحوا لهم بالوقوف على الجسر لبضع دقائق، ليلقوا آخر نظرة على المدينة الساحرة، وكانوا في تلك الدقائق القصيرة “يتنهدون” قبل أن يجروا إلى السجن المظلم لسنوات طويلة، وأحيانًا إلى آخر العمر، فسمي “جسر التنهدات”.
هكذا كان حال مساجين البندقية في كتاب “بيكاسو وستاربكس”.
وكأننا في أيام مضت لا نختلف عنهم ونحن في بيوتنا ننتظر أن يفتح الباب مرة أخرى لنخرج إلى الحياة مرة أخرى.
مهما كان صبرنا بسبب الإجراءات الوقائية من فيروس كورونا والتزامنا بالحجر المنزلي تبقى الحرية فطرة إنسانية.
الطيور لا تحب أن تكون حبيسة القفص حتى لو كان يصلها طعامها وشربها دون عناء تحب الكدح والمشقة وهي تطير في السماء بحثاً عن لقمة عيشها.
نحن لا نملك جناحين حتى نحلق بعيداً لكن نريد أن نسير في مناكب الأرض بحثاً عن نسمة هواء وزخة مطر تغسل أرواحنا.
كثير من الدروس تعلمناها في فترة الحجر المنزلي واكتشفنا كثيرًا من متع الحياة لا حاجة لنا بها، نحن لا نحتاج مطعماً نتلذذ بطعامه ولا مقهى نرتشف قهوته، نحن نحتاج حياة طبيعية نرتبط بها، نتذوق جمال بحرها وسحر خضرتها ونعومة رملها.
اشتقنا لمساجد تخشع فيها أجسادنا، اشتقنا لحضن أب ودفء أم، اشتقنا لرؤية حبيب حرمتنا منه العزلة، ولصوت حراثة في مزرعة، ولمشاهدة صنارة صياد في عرض البحر، ولغناء راعٍ يطوف بمواشيه.
اشتقنا لشروق الشمس كل صباح، والتغزل بالقمر كل مساء، وألوان قوس قزح بعد كل مطر.
اشتقنا لمستقبل الوطن في مشاريع تشيّد، وطائرات تسافر بنا، وسفن تحمل البضائع.
اشتقنا لحياة بعذريتها كما هي لا يفضها تلوث ولا ضوضاء.

لا يبقى إلا أن أقول:
حتى لو أن الحياة تفتح لنا اليوم ذراعيها لتحتضن أجسادنا المتعطشة لها يجب ألا ننسى أن المرض مازال يطوف حولنا يجب أن نهزمه ولا نجعله يهزمنا.
علينا أن نلتزم بكل تعليمات الجهات المعنية للوقاية من فيروس كورونا حتى لا نعود إلى الحجر المنزلي مرة أخرى.
جميعنا دون استثناء أمام اختبار حقيقي لوعينا ولا مجال للاستهتار.. صحتنا أهم من كل شيء، دعونا نستمتع بطبيعة الحياة مع مراعاة كل الإجراءات الوقائية لضمان حياة أفضل لا يعكرها مرض.
هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصـحيفتنا “الرياضية”.. وأنت كما أنت جميل بروحك وشكراً لك..