|


فهد عافت
إمبراطوريّات الكلمة «1ـ2»!
2020-09-01
- الضخامة حجم. الفخامة قيمة!.
- دعك من كون كتاب “إمبراطوريّات الكلمة” ضخمًا. بإمكانك اعتباره أربعة كتب صغيرة الحجم، وبهذا ستتجرّأ، ربما، على قراءته بسهولة، اللهم إلا إذا كنت ممّن يقرأ ليعدّ على أصابع أصحابه كم قرأ من الكتب طمعًا في نيل مهابة أو تقدير!.
- الأكيد أننا أمام كتاب فخم، مشغول بحرفيّة عالية، ليس فقط من ناحية التّتبّع البحثي، الذي يقترب من تحرّيات المباحث!، لكن أيضًا من ناحية الأسلوب الرشيق الذي قُدِّم فيه هذا البحث الجليل، والذي يكشف عن رهافة أدبيّة، تقفز بـ “نيقولاس أوستر” من خانة الباحث والمحقق إلى خانة الأدباء المَهَرَة!.
- العنوان الأطول للكتاب يكشف نهجه ومبتغاه: “إمبراطوريّات الكلمة: تاريخ للُّغات في العالَم”!. والمقصود المرصود هو اللغة المكتوبة لكل أمّة من الأُمم. والتي هي أحفظ للذاكرة من الذاكرة نفسها!. ذلك أن الشفويّة، وما إن يمرّ وقت قصير ربما، أو طويل بالتأكيد، حتى يصبح من النادر استعادة أي ذكرى دون تجويف وتحريف وتسويف، تُسهم في تشكيله ظروف الحاضر وخيال المتذكِّر!. مع وجود فضيلة أخرى للكتابة لا تقلّ أهميّة، حيث إنه وبفضل الكتابة قفَزَتْ البشريّة قفزة هائلة نحو الكلام البليغ!.
- لا أحد، فيما يبدو، يمكنه أن يقدّم تفسيرًا للمصدر الذي جاءت منه كل لغات العالم، غير أن انتشارها واندحارها، وهيمنتها وتلاشيها، ظلّت، دائمًا، من صُنع “السّاسة، والجنود، والبحّارة، ورجال التبشير الديني، ورجال الفعل، وذوو المشاعر القويّة!. فاللغات مبنيّة على الدّم، والمال، والأعصاب، والمعاناة في السّعي وراء القوّة”!.
- فرنسا أضافت وسيلة، “حيلة”، أخرى!. كانت تحمل لبعض مستعمراتها هذه البشرى العجيبة: “أبناؤنا سيتزوّجون بناتكم، ونصبح شعبًا واحدًا”!. وحين كانت تفشل هذه الحيلة، كانت فرنسا تفعل العكس تمامًا، فتقوم بإرسال فتيات فرنسيّات كي يتزوّجن المستوطنين!.
- آمَن الرّوس بأن “قوّة الجيش تتكوّن، بصورة أساسيّة قبل كل شيء، من وجود لغة، ودين، وعادات، ودماء مشتركة”!. بالرغم من ذلك لم تنجح الجيوش الروسيّة في نشر اللغة نجاحًا يُمكن أن يكون محل اعتبار!. خاصةً، إذا ما قُورِنَ ذلك بالنجاح الذي تحقق على أيدي النُّخَب الفكريّة: بوشكين، وغوغول، وتولستوي، ودستويفسكي، وتورجنيف، “وهؤلاء هم الأشهر فقط”!.
- ألمانيا ليست بعيدة عن روسيا في الأذى العسكري، “ومن المؤكّد أن أسلوب ألمانيا في غزو جيرانها الأوروبيين لم يكن مكيّفًا لكسب أصدقاء ومعجبين”!. لولا عصرها الذهبي في العلوم والفنون والآداب، وأسماء مثل غوته، وشيلر، وموزارت، وبيتهوفن، وكانط، وهيغل، وغيرهم ممن في مستواهم، لما قامت للغة الألمانية قائمة خارج حدودها!.
- وماذا عن اليابان؟! ألم تكن قوّة عسكريّة طاغية؟!. نعم، غير أن لغتها لم تستفد من ذلك التمدد العسكري كثيرًا، لأن الاستعمار الياباني ظل محكومًا، دائمًا، بعدم الاستقرار. كل أساس عسكري ياباني ظلّ مؤقّتًا، الأمر الذي لم يُتح لليابانيين فرصًا حقيقية لغرس جذور لغتهم، في غير أماكن قليلة لا تتناسب مع مدى توسّع الإمبراطورية أبدًا!. العربدات النهائية للجيش الياباني أفقدت اللغة اليابانية حتى تلك القلوب والعقول التي مالت إليها وكادت تقتنع بها!.
- تسأل عن التّجارة بشكل محدّد؟. نعم، ما مِن شك في أنّ لها دورًا تلعبه في هذا المجال، لكنه وفي أحيان كثيرة، يكون دورًا معكوسًا!. تذكّر دائمًا: لغة التجارة هي لغة الزّبون، لا لغة التّاجر!. فبينما يمكن للحكومة القويّة والعقيدة نشر اللغة والمحافظة عليها، فإن الرغبة في الحصول على الثروة شيء آخر، ومن خلال هذه الرغبة يمكن نشر اللغة نعم، لكن دون وعود قاطعة بالمحافظة عليها من أي تغييرات حينما يتعلّق الأمر بالرّبح!.
- يمشي الكتاب وراء هذا السؤال: كيف، وفي أي ظروف وبأيّ تحرّكات، ازدهرت المجتمعات اللغويّة في الماضي، وكيف تدهور بعضها، بل لقي حتفه؟!. وفي طريقه للإجابة نلتقي بملاحظات مدهشة، بعضها مرعب!. إن كنتَ ممّن يحب، أو يحتاج إلى النظر في سيرة حياة اللغات، بما فيها من حالات كلاسيكية كثيرة، وتوسّعات إمبراطوريّة، وتعطّش عنيف للثروة، والاستكشاف، والأمجاد الوطنيّة، والحماسة الدينيّة، فهذا الكتاب يخصّك!.
- من المدهشات أنّ تتبّع تاريخ اللغات يؤكد أهميّة قصوى لجاذبيّة اللغة، وأنّ هذه الجاذبيّة في اللغة نفسها قد تكون أكبر بكثير، وأهم، من نفوذ أصحابها!. في رسالة من “الحكيم أحيقار” إلى ابنه: يا بُنيّ..، تعليم الفم أقوى من تعليم الحرب”!.
- ومن المُرعبات أنّه ليس هناك انتشار مضمون، ولا حتّى بقاء آمِن، لأي لغة في نهاية المطاف!. كما أنه ليس هناك ما يمكن الاعتماد عليه بشكل كبير فيما يخص سيرة كل لغة. فما ينطبق على سيرة لغة ومهما تناظر مع سيرة لغة أخرى إلا أنه، ولأسباب غير معروفة تمامًا، قد لا ينتهي إلى نفس النتائج من حيث الانتشار أو حتى الثبات!.
- وآهٍ.. كم من صدفة مناخيّة تُشوِّه السِّجِل!. ليست الصّدف مناخيّة فحسب، الصُّدف بأنواعها تغيّر أمور الدّنيا على نحو يصعب فهمه!. تخيّل كم كان صعبًا سقوط غرناطة فيما لو لم تقبل “إيزابيلا” الزواج من “فرناندو”؟!. تخيّل: بكعكعتين من الملح، قُدّمتا لأسير هندي، باح بأسرار مملكة كاملة، وقاد الغزاة إليها!. تخيّل: بلدًا كاملًا “البيرو”، سقط في يد الغزاة الإسبان، ربما فقط لأن الكاتب الذي طلب منه الأهالي كتابة رسالة للمُحاصِرين، كتبها بإطالة مُمِلّة، مستعرضًا بلاغته!، فلم يُكمل القائد الإسباني قراءتها للأخير!.
لو استطردنا في هذا فلن نتوقف!.
وللحديث تتمّة في الغد بإذن الله