> مقالات

أحمد الحامد⁩
شهرة
2020-10-19



أنصح بعدم تصديق أي مشهور يقول إنه لا يحب الشهرة، أو لا يريدها كلها، لكن صدِّقوا إن قال إنه في بعض الأحيان يشعر ببعض الضغوط الصغيرة التي تحتِّم عليه الظهور دائمًا بشكل يناسب شهرته، خاصةً إذا ما كان مستوى شهرته “سوبر ستار”، كما يُطلق على المشاهير جدًّا، الذين تحوَّلوا إلى شخصيات عامة، يعرفها الجميع.
ولأن وسائل الشهرة أصبحت متاحةً في وسائل الإعلام الحديثة، بغض النظر عن الموهبة، صار عدد المشاهير كبيرًا جدًّا لدرجة، يصعب فيها أن تسمع، أو تتعرَّف على محتوى بعضهم! وقد وجدت نفسي مرات عدة أجهل بعض الأسماء، بينما كان جمهورهم ومحبوهم يلتقطون الصور معهم. أتذكَّر هذه الحكاية، التي ذكرها لي الزميل يزيد مواقي عندما كانت الشهرة تمرُّ عبر كاميرا التلفزيون الرسمي، أو الصحف والمجلات فقط، فمَن لا تصوِّره كاميرا التلفزيون، أو تنشر الصحف صوره لا ينال الشهرة، لذا كانت أعداد المشاهير أقل بكثير من مشاهير اليوم. يقول يزيد إنه بعد ظهوره الأول عبر شاشة التلفزيون الجزائري، حمله أبناء قريته على الأكتاف، وطافوا به بين أزقَّتها معبِّرين عن فرحتهم، كون أحد أبناء القرية ظهر على شاشة التلفزيون. كانت للشاشة هيبتها، وسحرها الذي تلقيه على المشاهدين، فيأخذ مقدمو البرامج نصيبهم من هذا السحر، لذا كان المشاهير بصورة عامة، عندما كان عدد الشاشات محدودًا، يتعرَّضون في لقاءاتهم إلى تلك الأسئلة التي كانت تستفسر عن نوع الطعام الذي يحبونه، واللون الذي يفضِّلونه، وما الذي يعنيه لهم البحر، وما الذي يسبِّب حزنهم، وكأنهم من عالم آخر. كلمة الشهرة في ذاكرتي ترتبط بأحد الذين تعرَّفت عليهم صدفةً. كان شاعرًا، واستطاع وقتها أن ينشر ثلاث، أو أربع قصائد في مجلة فواصل، أو المختلف. لم أكن أعلم أنه شاعر إلا بعد أن قال لي ذلك، وبعد أن قال إنه يعاني من ملاحقات الجمهور له في كل مكان. لم أصدِّقه، لكنني لم أكذِّبه أيضًا، إلى أن قابلته صدفةً في مكان عام، وبعد أن مشينا مئات الأمتار، التفت إليَّ وقال: هل رأيت كيف أن الناس تنظر نحوي؟ على الرغم من أن أحدًا لم يكن ينظر نحوه! كانت كلماته تلك بداية معرفتي بأن هناك مَن يتوهم الشهرة، ويقع ضحية وهمه. بعد ذلك تعرَّفت على أشخاص آخرين، وقعوا ضحايا هذا الوهم، وكانوا يثيرون الحزن في قلبي. كان أحد المغنين في بدايته الفنية حينما التقيته في لوبي الفندق، وطلبت منه أن يرافقني إلى المقهى القريب، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، وعندما سألته عن السبب، أجاب ممتعضًا: “يا أخي الجمهور ما يتركني بحالي”!