|


هاسي.. يقهر ظروف الحرب ويتحصن بـ«القلعة»

الرياض – عبدالرحمن عابد 10:13 | 2021.06.12
أوروبي وسيم وثري، تبدو ملامحه كشاب في منتصف الثلاثينات، يحظى بمعاملة الرموز الكبيرة في بلاده، كواحد من سفراء الوطن اللامعين في الخارج، إثر مسيرة احترافية يُضرب بها المثل في مسقط رأسه، وسيرة ذاتية تدريبية وإنسانية تنبض بالنجاحات والمواقف الملهمة للأجيال الصاعدة، مجسدا قصة نجاح بعنوان المثل الشعبي الصربي "كن صبورا كالثور وشجاعا كالأسد وعاملا كالنملة ومبتهجا كالعصفور".

وُلد بيسنيك هاسي في 19 ديسمبر 1971، في مدينة جاكوفا بدولة كوسوفو الواقعة جنوب شرق أوروبا، حيث تختلط الطبيعة الخلابة باللمسة الإبداعية لتراث الأجداد الأوائل، بالتقاء أعلى قمم جبال الألب الدينارية وقرى وادي إرنيك الخضراء على مشارف أطول نهر في البلاد كارينا، بكتلة سكنية تعج بالحدائق العامة والمباني ودور العبادة التي يفوح منها الطراز القديم، باعتبارها واحدة من أقدم المراكز التجارية منذ الفترة العثمانية، ومن الأكثر تطورا في البلقان الآن، رغم تدميرها مرتين في حربي البلقان بداية ونهاية القرن الماضي.

لم تكن حياته مرصوفة بتلال من الورود، لعدم وجود فرصة حقيقية لتحقيق حلمه باحتراف كرة القدم، مضحيا بما يزيد عن ست سنوات من عمره، تحديدا في الفترة بين عامي 1988 و1994، بالتنقل بين ستة أندية مغمورة في كوسوفو ودول ألبانيا وصربيا وكرواتيا، وذلك كلاعب كرة قدم هاوي يتقاضى أموال هزيلة، إلى أن ابتسم له المستقبل بشدة، وأصبح ممن يمتلكون حسابات بنكية تستقبل شهريا عشرات آلاف اليوروهات، فور دخوله عالم الاحتراف من بوابة جينك البلجيكي، حيث كان لاعب وسط ماهر جدا.

بعد سنوات سعيدة تعد على أصابع اليد الواحدة، تكالبت العراقيل والظروف الاضطرارية على الشاب الألباني الهوية، بدأت بتجربته العابرة مع ميونخ 1860 الألماني موسم 1997-1998، ليضطر للعودة إلى ناديه البلجيكي السابق، تزامنا مع ظهور بوادر حرب يوغوسلافيا الاتحادية، التي راح ضحيتها آلاف القتلى من ألبان كوسوفو، بخلاف تشريد وترحيل ما يزيد عن مليون ونصف، منهم والدته وشقيقاته البنات. تلك الحرب التي وقعت ما بين 1991-2001، أفقدت 140 ألف شخصا عزيزا على قلوب السلوفينيين والكروات وألبان كوسوفو والبوسنيين والمقدونيين بحسب تقرير الأمم المتحدة.

سعت حكومة سلوبودان ميلوشيفيتش الصربية، إلى الحفاظ على مملكة يوغوسلافيا على حساب الاقتصاد وأرواح المدنيين الأبرياء، وهو ما دفع زوجة هاسي، لوريتا في مارس 2001 إلى الاختباء داخل مخيم لاجئين خوفا من القتل، كما أفصح المدرب في مقابلة مع "جازيتا أو جي". حيث ظلت حبيبته في ملجأ تحاصره قنابل الحرب لمدة 5 أشهر رفقة طفلتها الرضيعة ديا، ويسرد تلك الحقبة بقوله: "شعرت حينها بالرعب، كنت أرى أشياء مروعة في مكان إقامة عائلتي، وكان من المستحيل الاتصال بهم لانقطاع خطوط الهاتف، كنت أسمع عن امرأة تعرضت للاغتصاب والقتل ولم يكن بوسعها فعل أي شيء، لقد كانت كارثة حقا".

لا ينسى الألباني هاسي موقفه مع لاعبي وموظفي فريق جينك، بعد حصوله على بطولة الدوري البلجيكي، فيما كانت أول بطولة في مسيرته الاحترافية عام 2000، وآنذاك خصصوا جزء من مكافآت الفوز لضحايا الحرب في كوسوفو، إلى جانب مكافأته الشخصية 50 ألف يورو، تم توزيعها بالكامل على 360 عائلة، فقدت عوائلها ومنازلها، منهم عمه بجانب منزلين للعائلة في جوكافا، أحرقهم الصرب بالقنابل، وذلك لمعاقبته على دعم لاجئين كوسوفو ماديا طوال حقبة التسعينيات.

ليس كباقي المدربين واللاعبين التقليديين، والذين يبحثون عن المال في المقام الأول، لشراء القصور الفارهة وأغلى أنواع السيارات، بل تعامل مع المال على أنه وسيلة لمساعدة عائلته وأسر أصدقائه الذين قتلوا وحبسوا في السجون الصربية، قائلا لشبكة "نيوفس": "أعطيت كل قرش جنيته لعائلتي الذين كانوا هاربين حتى بعد انتقالي إلى أندرلخت، لم أرغب أبدا في الذهاب إلى مطعم، لم أستطع عمل شيء ترفيهي أو اجتماعي بينما كانت عائلتي في حالة هروب مستمر هناك".

وصفه موقع ويسلو البولندي بلقب ملك بروكسيل، بعد حصوله على جائزة مدرب العام في بلجيكا ضمن جائزة الحذاء الذهبي 2014، إثر ثورته مع أندرلخت بالفوز بالدوري وكأس السوبر، إلى جانب العروض التاريخية في دوري مجموعات أبطال أوروبا، كالتعادل مع آرسنال بقيادة الفرنسي آرسن فينجر 3-3 في لندن، والتعادل مع بوروسيا دورتموند بوجود الألماني كلوب 1-1 على سيجنال ايدونا بارك، لكن هاسي تعرض إلى التنمر والعنصرية مع وارسو البولندي وأولمبياكوس واليوناني بسبب دمائه وجواز سفره الألباني.

تُقدر ثروة صاحب الـ49 عاما، بنحو عشرة ملايين يورو، ويعيش حياة سعيدة ومستقرة مع زوجته لوريتا وابنتيه ديا وليا والصغير ديون، حيث يحرص دوما في العطلات على اصطحابهم إلى السينما كل خميس، فيما يصفها باللحظات النادرة، عندما يستمتع بأداء فنانته المفضلة جودي فوستر، مفتخرا بعد اعتزاله الدولي بدعوة كوسوفو لمواجهة السعوديين في أنقرة التركية 2007 أملا في الاستقلال، ولقد تمكن من تجنيب الرائد السعودي الهبوط على مدار 3 مواسم، وبعد أن غادر مؤخرا بريدة إلى جدة، هل ينجح هاسي رفقة صديقه الألماني صانع الألعاب ماركو مارين في إعادة الأهلي إلى منصات التتويج؟.