من الخريطة إلى الكثبان.. رحلة خفية ترسم مسار داكار السعودية

طائرة مروحية تتابع مسار سباق رالي داكار السعودية بين الكثبان الرملية والجبال، الجمعة (المركز الإعلامي ـ داكار)
الرياض ـ الرياضية 2026.01.16 | 10:28 pm

قبل أن يعلو صوت المحركات، وقبل أن تُرسم خطوط الانطلاق في الرمال، يبدأ رالي داكار من لحظة أكثر هدوءًا، لحظة تُفرد فيها خريطة بيضاء على طاولة، ويُطرح السؤال الذي يرسم ملامح الرالي بأكمله: إلى أين ستقودنا الصحراء هذا العام؟
في السعودية، لا تُواجه الخريطة صمتًا أبدًا، فهي تنطق بتاريخٍ محفور في الأرض، حقول بركانية داكنة تعرف بالحَرّات، ووديان نحتتها الرياح، وكثبان رملية تتبدل ملامحها مع كل شروق، ومسارات قديمة سلكها المسافرون منذ قرون، وعندما يُرسم مسار داكار هنا، لا يفرض المسار على الطبيعة، بل يُحاورها. فالطبيعة ليست خلفية للمشهد، بل ركيزة أساسية تتقاطع مع الإنسان والمركبة لتصنع الرالي كما نعرفه. هي الملاح الحقيقي الذي يرفع الإيقاع حينًا، ويخفضه حيناً آخر، ويكشف المعدن الحقيقي للمتنافسين.
وخلف هذا الحوار الصامت بين الطريق والطبيعة عملية تصميم دقيقة تستغرق عامًا كاملًا، يقودها المدير الرياضي لرالي داكار ديفيد كاستيرا وفريقه، تنطلق من تلك الخريطة الأولى الخالية من الملامح، تتحول تدريجيًا إلى رحلة متكاملة، تُصاغ بعناية لتوازن بين شراسة المنافسة، ودقة الملاحة، ومتطلبات السلامة، وتعقيدات التنظيم.
في قلب هذه العملية، تبرز السعودية كمساحة استثنائية للتخيّل، بما تمنحه من تنوع جغرافي يسمح لكل مرحلة أن تروي قصتها الخاصة، من الكثبان الناعمة التي تختبر الإحساس، إلى السهول البركانية القاسية، ومن المنحدرات الصخرية إلى الوديان المتعرجة، حيث يتبدل المشهد كما لو أن الطبيعة تعيد كتابة نفسها مع كل مرحلة، ويتم تصميم كل مرحلة بإيقاع طبيعي متوازن، يتناوب بين مقاطع تقنية مرهقة، ولحظات تمنح السائقين والفرق فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة التركيز.
ومع اكتمال ملامح المسار، تنطلق فرق الاستطلاع إلى عمق الصحراء باستخدام مركبات مخصصة، لتتبع كل كيلومتر على أرض الواقع.
وتُرصد المخاطر، وتُصقل خطوط التسابق، وتُحدد مواقع المخيمات ونقاط الوصول للخدمات، بعدها يُترجم المسار إلى كتيبات ملاحية إلكترونية دقيقة، مليئة بنقاط خفية ستختبر لاحقًا دقة الملاحة، وقوة التركيز، وسرعة اتخاذ القرار تحت الضغط.
وتبقى روح الابتكار حاضرة في تصميم الرالي، من خلال إدخال نقاط خدمة في منتصف المراحل داخل مناطق نائية، إلى مراحل الماراثون التي تُجبر المتنافسين على قضاء الليل دون دعم فِرَقهم، معتمدين فقط على جاهزيتهم وصلابتهم الذاتية.
وتُعد نسخة رالي داكار السعودية 2026 من أكثر النسخ طموحًا حتى الآن، إذ صمم المسار على هيئة حلقة واسعة تنطلق من ينبع وتعود إليها، وعلى امتداد ثلاثة عشرة مرحلة، تشمل مرحلة تمهيدية ومرحلتي ماراثون، يقترب الرالي من أعلى مجموع كيلومترات تنافسية شهدها داكار في السعودية حتى اليوم.
ويمر المتنافسون عبر الأودية المنحوتة في العلا، ويعبرون بحار الرمال الشاسعة في الربع الخالي، ويواجهون مراحل خاصة طويلة ومرهقة جسديًا تختبر مهارات القيادة والملاحة والقدرة على التحمل. ومع تقليل عدد المخيمات على امتداد المسار، تبقى فرق الدعم أكثر راحة واستعدادًا، فيما يحافظ الرالي على إيقاع متوازن بعناية من البداية حتى النهاية.
وتقف ينبع كبوابة البداية وأفق الختام لهذه الرحلة، فمنذ ظهورها الأول في مسار داكار عام 2021، ثم استضافتها لمخيم «البحر» في 2023، وصولًا إلى احتضانها لخط النهاية في نسخة 2024، أصبحت المدينة الساحلية جزءًا أصيلًا من ذاكرة داكار السعودية.
وفي 2026، يعود الرالي لينطلق من ينبع وينتهي بها على شاطئ البحر الأحمر، حيث تُجرى المراحل الأخيرة بمحاذاة مياه هادئة، في نهاية رمزية تعكس التنوع الجغرافي الفريد الذي تتميز به السعودية.
وفي السعودية، لا يسعى داكار إلى ترويض الصحراء، بل يتناغم معها. فكل سهل بركاني، وكل وادٍ صخري، وكل حقل من الكثبان الرملية يصنع اختباره الخاص، اختبارًا لا يمكن تكراره في أي مكان آخر في العالم. وهنا، يتحول داكار إلى أكثر من سباق ليصبح حوارًا متحركًا بين الإنسان والمركبة والأرض، حيث تبقى الطبيعة هي الملاح الحقيقي، تقود المتنافسين حتى شواطئ ينبع.