أحمد الحامد⁩
سحر التأثير!
2026-01-19
جمعتنا عاصمة أوروبية، كنت وهو نلتقي أسبوعيًا تقريبًا، كان ذاك اللقاء هو يوم تدليع النفس بأفضل الأماكن والمطاعم حسب إمكاناتنا المتوسطة، وزيارة بعض محلات الأنتيك، في تلك العاصمة تطوف أمام عينيك كل الطبقات المجتمعية، رجل يقود سيارة فارهة ثمنها يعادل ما تتقاضاه من وظيفتك عدة سنوات، وخلفه آخر يقود سيارة لا أظنه سيقوم بإصلاحها إذا ما اصطدم بها في سيارة أخرى، لأن ثمن تصليحها أكبر من قيمتها، أما جمال النساء ووسامة الرجال فلا يُحصى، تشاهده في كل شارع وزاوية ومحل، هناك تشاهد فتاة رائعة الجمال تعمل نادلة، تحمل أكياس القمامة من المقهى آخر المساء وتضعها في سلة القمامة، كنت أقول لصديقي كلما شاهدت فتاة جميلة تنظف في مقهى: هذي لو عندنا كان مهرها 500 ألف، وفيلا وسواق، وشروط لا يحققها إلا الوليد بن طلال!
كنت وصديقي مع كامل تأنقنا نبدو بينهم «جلحان ملحان».. ولا أقصد أن الرجال العرب غير وسيمين، بل أقصد أنني وصديقي «جلحان ملحان» بالفعل، وللذين لا يعرفون ما هو الأجلح فهي كلمة عربية الأصل، تأتي من الجذر «ك ل ح» ومعناها الأساسي يستخدم في عبوس وتجهم الوجه، لكنها مع الزمن استخدمت في وصف الأشخاص البعيدين عن الوسامة، والذين تبدو بشرتهم غير ناعمة، مع ابتعادها عن البشرة البيضاء، هذا تفسيري الشخصي للأكلح، أما الأملح فهو من خالط بياضه سواده، وتستعمل في وصف الجلد والوجه ولون الشعر، وتقال مدحًا في وصف الأشخاص الأنيقين ومشرقي الوجه، لكنها مع الزمن استخدمت لوصف البشرة غير الصافية والمتعبة.. حسب فهمي طبعًا.
في أحد الأيام كنت في نقاش معه عن قوة الجمال، سواء جمال المرأة أو وسامة الرجل، قلت إنهما من مفاتيح النجاح السريع، و«واسطة» تفتح المغلق، وتجيز ما لا يجيزه المنطق، والقوانين أمامها لا تُطبّق، كان رأيه مختلفًا عن رأيي، قال إن الإنسان ينال ما يستحق بجهده وجديته في الحياة، وينال فيها المكانة التي يضع هو نفسه فيها، ضرب عدة أمثلة حقيقية لأشخاص ناجحين لم يكونوا وسيمين، ولنساء ناجحات لم يكن جميلات.
أنهينا نقاشنا مختلفين، مع أنني اتفقت معه في بعض ما قال، لكنني كنت أرى أن رأيي ينسف رأيه على أرض الواقع العام، وإن كان رأيه منطقيًا، لأن قوة الجمال تتجاوز كل ما ذَكر.
بعد مدة التقينا في يوم شتائي دافئ، تجولنا في الشارع الطويل، ننظر إلى واجهة المحلات، ومتجهين نحو مقهى بجانب حديقة صغيرة، أثناء الطريق جاءت فتاة بيدها علبة فيها قطع نقود صغيرة، ولأنها كانت من جانب صديقي سألته بأدب إن كان بإمكانه إعطاءها شيئًا، لكنه أجابها بحسم : sorry، قال لها آسف ومضينا في طريقنا. عند وصولنا للمقهى، كانت هناك فتاة جميلة جدًا وفي كامل أناقتها تغني عبر ميكروفون، واضعة أمامها علبة للذين يودون دفع شيء لها، أضاف لها معطفها الأحمر وتسريحة شعرها القديمة سحرًا مستمدًا من سحر الستينيات الميلادية، قبل أن تأتي موضة السبعينيات وبوهيميتها الفوضوية. كان صوت الفتاة جميلًا لكنه ليس رائعًا، لكن صوتها لم يعنِ لصاحبي شيئًا أمام جمالها الفاتن، فلم يكن بالأساس يفهم ما تغنيه، ولا حتى أنا. استمر بالنظر إليها ونحن على مقاعدنا، كان المارة يضعون لها بعض النقود المعدنية في العلبة، وبعد دقائق قفز صاحبي فجأة وأخرج من محفظته ورقة تعادل 26 دولارًا حسب صرف اليوم، وذهب إليها بمشية سينمائية واضعًا الورقة في العلبة. شاهدت الفتاة الورقة فقطعت غناءها وقالت: شكرًا مع ابتسامة دلع. عاد صديقي يمشي مشيته السينمائية، هذه المرة مع بعض الخجل والارتباك.
ساد صمت تذكرت فيه الفتاة التي سألته عن بعض «الفكة» فرفض إعطاءها، لم تكن تلك الفتاة جميلة، وحالتها أبعدتها عن أي أناقة.
أثناء عودتنا قلت له: هل تذكر نقاشنا عن تأثير الجمال؟ أجاب نعم.. ثم فهم قصدي وكان ذكيًا، فقال: أنت شفت أم الأحمر شحلاتها ؟ هذي لو تعطيني وجه أعطيها كل اللي عندي.. حتى شهادة الماجستير اللي قطعت قلبي عليها أسجلها باسمها!.