تركي السهلي
جحود كرسي
2026-01-27
يضعُ يده في مقبض الباب الزجاجي، ويدفعه إلى الداخل. يصلُ إلى أُذنيه صوت الموسيقى الريفية. يقصدُ بِخُطاه كرسيّ جلد بخاصيّة الارتفاع والنزول. يجلس على الوثير، بعد أن تبادل الابتسامة، والسلام مع الرجل الذي ينتظره. يسند ظهره بارتياح، وتقع عيناه على وجهه في المرآة التي أمامه. يتأمّل. شعرٌ مُتباعد، وبياض يكتسيه. بصيلات يُلاحقها الزمن، وتتساقط. تأخذه الزجاجة إلى أوّل مرّة جرّب حلاقة الشعر. طفلٌ مُتمرّدٌ من قرية وادعة. قصّة «الأسد» كانت تسريحته الأولى، وذاكرته البعيدة لا تغيب. لم يكن رائجًا في زمن طفولته التأنّق الزائد، ولم يكن مسموحًا له أن يبدو غير قُرويّ. وضع قدم على قدم، وطوّق الرجل عنقه بقماش خفيف يمنع التصاق الشعر بوجهه الصامت. مع كُل خصلة تسقط، يأخذها بيده إلى حِجره، ويترك الخصلات في حال اجتماع. كأنّ الشعر الذي يموت يحيا من ذاكرته في حضن البقاء. تتبدّل الموسيقى، ويبدأ موّال طويل لـ «إبراهيم تاتليس». يطلب الجالس المتأمّل، تغيير النمط، إلى شيء من أُغنيات المرحلة. بضغطة من هاتفه المحمول تُصبح الموسيقى شعبية، والأغنية من زمن القرية الوادعة. يشذب لحيته، ويزيل الزائد من شاربه، ويُحدّث الحلاّق الرجل متباعد البصيلات، عن المروج، والأنهار، وسفوح الجبال في بلده. يُغمض «المحلوق» عينيه ويتذكّر أيّام «هجرة الطيور» ومرورها بقريته، وكيف أن الكبار والصغار يتسابقون مع الأجنحة عند الأشجار، وحول الآبار، وفي الأرض المرتوية. ينتهي الحلاّق من عمله، وينفض قطعة القماش، ويُصبح الشعر في الأسفل. يُغادر، الرجل الذي دخل مع الباب الزجاجي، من الباب الزجاجي، ويترك الكُرسي خلفه فارغًا، وإن كان يدور. ولم يعد في حضنه خصلة واحدة. يلوّح له الحلاّق مودّعًا، ويذوب بسيارته وسط زحام الرياض. في الغدِ لن يحلق، ولن يزور الكرسي، ولن يصمت أمام المرآة. سيغنّي أغنية هجينة بين الموّال، والكلام الموزون بنغم "المسحوب". في المُقبل من الأيّام، سيزور المشتل الكبير، ويشتري نبتة، وجِرار ماء. سيقاطع المِقصّ، والموس، ووجه المرآة الصامت. سيقصدُ أرضًا، ويطرحُ زرعًا، ولن يمنع ضوءًا. سيتمسّك بِكُلِّ ما فيه، ولن يهتمّ بجحودِ كُرسي.