«المسحراتي».. قصة تنعش الأحياء القديمة في رمضان

المسحراتي في أحد الأحياء القديمة المنطقة الشرقية (واس)
القاهرة - واس 2026.02.23 | 10:18 pm

ما زالت شخصية «المسحراتي» تحتفظ بمكانتها الخاصة في الذاكرة الشعبية العربية بوصفها أحد أبرز المظاهر التراثية التي ارتبطت بالشهر الفضيل، إذ يتجوَّل في الأزقَّة والحارات منتصفَ كل ليلةٍ لإيقاظ الناس للسحور والتهجُّد، ناشرًا أجواءً من الأُلفة والمرح التي ميَّزت ليالي شهر رمضان المبارك لعقودٍ طويلةٍ.
وعلى الرغم من تطور وسائل التنبيه الحديثة، وانتشار الهواتف الذكية إلا أن صوت «المسحراتي» ما زال حاضرًا في بعض الأحياء العربية القديمة، محتفظًا بدوره الرمزي والاجتماعي الذي يتجاوز مهمة الإيقاظ إلى كونه عنصرًا من عناصر الهوية الثقافية الرمضانية التي تنشر البهجة للكبار والصغار.
وفي مصر، يُعدُّ «المسحراتي» جزءًا أصيلًا من التراث الشعبي حيث يسير في الأزقَّة حاملًا طبلته الصغيرة، ومضربها الجلدي، ومردِّدًا بصوتٍ مميَّزٍ عباراته الشهيرة «اصحى يا نايم وحِّد الدايم، رمضان كريم. واصحى يا نايم ربك الدايم، رمضان كريم».
ويحرص «المسحراتي» في كثيرٍ من الأحيان على مناداة الأطفال بأسمائهم، وهو ما يثير فرحتهم، ويدفعهم للانتظار كل ليلةٍ لسماعها في مشهدٍ، يعكس دفء العلاقات الاجتماعية بين سكان الحي الواحد، ويعيد للأذهان ذكريات الطفولة والبساطة التي ارتبطت بليالي رمضان القديمة.
ومن المشاهد المحبَّبة التي يرويها كبار السن للأجيال الحالية المرتبطة بـ «المسحراتي» في الأحياء الشعبية التفافُ الأطفال حوله كل ليلةٍ بحماسٍ واضحٍ حيث يركضون خلفه في الشوارع الضيقة، ويطلبون منه أن ينادي أسماءَهم خلال جولته للسحور.
ويحرص «المسحراتي» على ترديد أسماء الصغار بين ضربات الطبل، فيفرح الأطفال عند سماعها، ويشعرون بالبهجة والحماس، وهو ما يشجعهم على الاستيقاظ للسحور، والمشاركة في أجواء الشهر الفضيل، بينما يستمتع الأهالي بمشاهدة فرحة أبنائهم، وتفاعلهم مع هذه العادة الرمضانية البسيطة.
وفي الليالي الأخيرة من رمضان، يخصِّص «المسحراتي» جولاتٍ، يردِّد خلالها عبارات وداعٍ للشهر الكريم، ويعيد ذكر أسماء الأطفال الذين اعتاد على مناداتهم، فتخرج بعض الأسر لتحيته، وتقديم مكافأةٍ رمزيةٍ له تقديرًا لجهده طوال الشهر في تقليدٍ اجتماعي، يعكس روح المحبة والمشاركة التي ميَّزت تلك الليالي في المجتمعات العربية.
وفي بلاد الشام، يحافظ «المسحراتي» على حضوره في عددٍ من المدن التاريخية، إذ يُعرَف في بعض المناطق باسم «أبو طبيلة»، ويتجوَّل في الشوارع مردِّدًا "يا نايم وحِّد الله، قوموا على سحوركم».
ويضيف أحيانًا أناشيدَ قصيرةً، أو أدعيةً رمضانيةً، تمنح المشهد طابعًا روحانيًّا مميَّزًا، فيما يرافقه الأطفال في بعض الأحياء، فيتحوَّل مروره إلى لحظةٍ يوميةٍ، ينتظرها السكان لما تحمله من أجواءٍ رمضانيةٍ مبهجةٍ، تُعزِّز روح الجيرة والتواصل.
أمَّا في المغرب، فيظهر «المسحراتي» بأسماءٍ عدة مثل «النفَّار»، و«الطبّال»، ويستخدم أحيانًا مزمارًا تقليديًّا طويلًا، ويتجول في الأحياء لإيقاظ السكان من أجل الاستعداد للسحور وصلاة التهجُّد، ويُمثِّل حضوره جزءًا من التراث الثقافي المميَّز الذي يُضفي على ليالي رمضان روحًا احتفاليةً، ويعكس تمسُّك المجتمع المغربي بعاداته الرمضانية المتوارثة التي تجمع البساطة والروحانية.
ويؤكد عددٌ من كبار السن المهتمين بالتراث الشعبي، أن «المسحراتي» لم يكن مجرد منبِّهٍ للسحور، بل كان أيضًا رمزًا للتكافل الاجتماعي، ورسولًا للبهجة في ليالي الشهر الكريم، إذ يجمع الناس على لحظةٍ مشتركةٍ من الفرح والانتظار، ويعيد إحياء روح الحي الواحد التي ميَّزت المجتمعات العربية لعقودٍ طويلةٍ.
ومع تسارع إيقاع الحياة الحديثة، وتغيُّر أنماط المعيشة، تراجع حضور «المسحراتي» في كثيرٍ من المدن، لكنَّه لم يختفِ تمامًا، إذ تحرص بعض الأحياء والمؤسسات الثقافية على حضوره بوصفه رمزًا تراثيًّا، يربط الأجيال الجديدة بذاكرة رمضان القديمة، ويمنح الشهر الفضيل طابعًا إنسانيًّا مميَّزًا.
ويبقى حضور «المسحراتي» أكثر من مجرَّد نداءٍ للسحور، فهو استعادةٌ لزمنٍ بسيطٍ، ونافذةٌ على ذكريات الطفولة، ولمسةُ حنينٍ، تمنح ليالي رمضان مذاقها الأصيل، وتؤكد أن بعض العادات مهما تغيَّرت الظروف، تظلُّ قادرةً على البقاء في وجدان المجتمعات العربية.