أحمد الحامد⁩
وهم مزمن
2026-03-09
هناك خيط رفيع بين الخيال المفيد والخيال المُضر، الأول ينفع عندما يكون قابلاََ للتطبيق، شيء تستطيع تحقيقه مع الوقت، والثاني خيال خارج القدرة الإنسانية، وبعيد عن واقع الإنسان، والاستمرار فيه مضيعة للعمر. الأول يحتاج إلى صبر وعقل هادئ متوازن وعزيمة، والثاني أوهام تضيع عمر الإنسان وتحرمه من تطوير نفسه. بعض الناس يمرون بالخيال المضر، خصوصًا في مرحلة الشباب، لكنهم يتحولون إلى الخيال المفيد، والبعض يبقى مستمرًا بالخيال المُضر طوال حياته. هناك من يعتقد بقدرته على تغيير العالم، وهذا شيء أصبح عاديًا لكثرة الطموحين غير الواقعيين، لكنه غير عادي إذا استمر نفس الطموح إلى مراحل متقدمة من حياتهم، وعلى الأغلب هؤلاء لم يغيروا من سوء أوضاعهم لأنهم مشغولون بالخيال المُضر، ينسجون في خيالهم قصصًا أسطورية عن أنفسهم، يتخيلون أنهم عباقرة في التجارة، أبطال في الملاكمة، زعماء عالميون، قادة عسكريون، أخطر رجال العصابات، أكبر المتبرعين، وقد يقتبسون نجاحات غيرهم لأنفسهم، ويطورونها حسب قدرة خيالهم. يكتشف الإنسان بعد مضي العمر أن أفضل مراحله هي التي طوّر نفسه فيها، تعلم لأنه لم يكن متعلم، أتقن مهنة أصبحت مصدر رزقه، اهتم بأسرته بعد أن كان مهملًا لها، وقف مع أحبته وأصدقائه في ظروفهم السيئة، تعامل برحمة مع الآخرين طوال الوقت، وجعل المال في خدمته ولم يكن هو خادمًا للمال. قد تبدو هذه الأمور للبعض في المتناول، لكنها في الواقع ليست عادية، وتحتاج إلى قوة وصمود طويل، هذه الإنجازات هي إنجازات حقيقية يستطيع الإنسان تحقيقها فعلًا، وهي التي تترك له أثر في الحياة، وهي التي قد تحفظه من ضرر الخيال الأسطوري الذي يبنيه لنفسه في مخيلته. الإنسان لا يستطيع تغيير العالم، لكنه يستطيع تغيير محيطه الصغير للأفضل، وإذا فعل ذلك فهو أسطورة حقيقية، لأنه وبإمكاناته التي تشبه إمكانات الناس أصبح الأفضل. قبل أيام قرأت اقتباسًا لأمير تاج السر عن رغبة البعض في تغيير العالم، وعن انفصالهم عن الواقع، وعن المآل الذي سيؤول بهم مع الوقت. الاقتباس من تغريدة لهاشم الجحدلي:
تغيير العالم ليست فكرة سيئة
أنا أيضََا
أريد أن أغيّر العالم..
بالرغم من أنني شبه كهل..
وشبه مجنون..
وشبه شاعر..
وعابس الأسارير دائمًا..
وأشبه النعاس والتعب إلى حد بعيد..
ويمكن أن يضيع حذائي وأبحث عنه..
وأنا أرتديه..
ويشتبك ضعف الإبصار..
مع نظارتي الطبية..
ولا نبصر..
لا أنا ولا نظارتي!