ميلوول يقترب.. «كارثة» تهدد «البريميرليج»
دوي صفارات الإنذار، قرقعة حوافر خيول الشرطة على الإسفلت، وهدير قوات مكافحة الشغب المتأهبة للمواجهة، بينما يهرع المارة المذعورون نحو الشوارع الجانبية بحثًا عن أمان مفقود.. هذا المشهد ليس جزءًا من فيلم عن حرب أهلية أو انقلاب عسكري مميت، بل هو مجرد «طقس معتاد» لمباراة كرة قدم في منتصف الأسبوع، بطلها نادي ميلوول في زيارته لكوينز بارك رينجرز.
على مدار أربع ساعات، تحولت أجزاء من منطقة «شيبردز بوش» اللندنية إلى ما يشبه ساحة حرب. هناك، يتباهى مشجعو ميلوول بسمعتهم التاريخية في العنف، وبالمقابل، لا يفتقر كوينز بارك رينجرز إلى «جنود» مستعدين للرد بذات الأسلوب الصادم.
هذا المشهد المرعب مرشح للتكرار على نطاق أوسع وبأضواء أقوى، فميلوول يحتل الآن المركز الثالث في دوري الدرجة الثانية «التشامبيونشيب»، وهو مركز يضعه في قلب صراع الملحق المؤهل للدوري الممتاز «البريميرليج»، بل إنه لا يبتعد عن وصافة الترتيب المؤهلة مباشرة سوى بثلاث نقاط فقط بعد فوزه على هال سيتي.
هذا الصعود هو «بشارة خير» لعشاق النادي، لكنه يمثل «كابوسًا أمنيًا» لبقية الأندية، ولشرطة لندن على وجه الخصوص. في العاصمة الإنجليزية، يسود الرعب أروقة نادي وست هام، ليس خوفًا من قوة لاعبي ميلوول، بل ذعرًا من مواجهة جماهيرهم التي لا تعرف الرحمة.
لا أحد يحبنا.. ولا نهتم!
تأسس ميلوول عام 1885، ويتمتع بشعبية جارفة في لندن تتجاوز أحيانًا أندية عريقة مثل تشيلسي وكريستال بالاس، ليأتي في المرتبة الثانية خلف أرسنال من حيث كثافة الولاء في مناطق معينة، لكن علاقته مع وست هام ليست مجرد «ديربي»، بل هي حرب مفتوحة يغذيها شعار الجماهير الشهير: «لا أحد يحبنا، ونحن لا نهتم » «No one likes us, we don't care».
وعلى الرغم من خلو خزائن النادي من البطولات الكبرى ـ باستثناء وصافة كأس الاتحاد عام 2004 ـ إلا أن جماهيره تملك استعدادًا فطريًا لارتكاب الجريمة من أجل الشعار. «ديربي الدم».. هكذا تطلق شرطة لندن على مواجهة ميلوول ووست هام، حيث تُعلن حالة الطوارئ القصوى، ويتحول البحث عن الشغب إلى طقس إنجليزي معاصر يفوق في خطورته أي منافسة رياضية أخرى.
داخل الملعب، لا تبدو النتيجة هي الأولوية، ففي لحظات الهياج، ينشغل المشجعون بالشتائم والتهديدات الموجهة للمدرج المقابل، لدرجة يبدو معها ما يحدث على العشب الأخضر مجرد حدث جانبي لا قيمة له أمام صراع «إثبات الوجود» في الشوارع.
في مواجهات ميلوول، يصبح الحدثُ برمته أبعد من مجرد تنافس رياضي عابر بين فريقين، ولهذا السبب يمتلئ ملعب «لوفتوس رود» عن آخره، وتتوافد الجماهير بكثافة لا تشبه أي حضور آخر. هنا، يحاول مدربو ميلوول دومًا «رمي الكرة» بعيدًا عن مسؤوليتهم، وكأن ما يقع خارج أسوار الملعب من جحيم لا يمت لصافرة الحكم بصلة.
جذور التنافس
تمثل ظاهرة الشغب تحديًا كبيرًا واجهته الرياضة لعقود، حيث ارتبطت في بعض المناطق بنزعات قبلية وانتماءات ضيقة، وفي مدرج ميلوول، اتخذت هذه الظاهرة أبعادًا عميقة ارتبطت بالسياق الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.
يمتلك النادي تاريخًا موثقًا من التوترات الجماهيرية يمتد لأكثر من قرن، وتحديدًا منذ عام 1906، ما جعل السلطات الرياضية والأمنية تضعه تحت مجهر الرقابة الدائمة، تعود بذور هذه المنافسة الشديدة إلى «ديربي عمال الموانئ» عام 1906 ضد وست هام، حيث كان مشجعو الفريقين يعملون في قطاع الموانئ الشاق، ما خلق نوعًا من التنافس الذي انتقل من بيئة العمل إلى مدرجات الملعب. تلك البدايات التي اتسمت بالندية الشديدة والاحتجاجات الجماهيرية، أسست لواحدة من أكثر الخصومات تعقيدًا في تاريخ الرياضة اللندنية.
مع حلول السبعينيات، أخذ العنف منحىً منظمًا ومرعبًا مع ظهور عصابة «بوشواكرز» «Bushwackers» التابعة لميلوول، لتنافس في شراستها عصابة «إنتر سيتي فيرم» «ICF» الشهيرة التابعة لوست هام. حولت هاتان المجموعتان التنافس التقليدي إلى «حروب شوارع» حقيقية، حيث غدت مباريات الفريقين بؤرًا متفجرة تهدد الأمن العام في العاصمة البريطانية.
بداية «سلسلة الدم»
في عام 1972، تحولت مباراة تكريم أسطورة ميلوول «هاري كريبس» من حدث احتفالي إلى فوضى عارمة، حيث اشتبكت العصابتان بعنف في مدرجات «ذا دين»، مرسيةً سابقة مقلقة أثبتت أن شبح العنف لا يفرق بين مباراة رسمية وأخرى ودية. وبعد تلك الموقعة، قُتل أحد مشجعي ميلوول في محطة القطار إثر اشتباك مع أنصار وست هام، وهي الحادثة التي ولدت «ثقافة الانتقام».
في المدرجات، كانت جماهير وست هام تغني بزهو: «نحن نقتلهم في محطة القطار». استمر غليان «أسود الجنوب» لعامين بانتظار لحظة الرد، ووزعت منشورات سرية بين المشجعين تدعو صراحةً للقتل انتقامًا. وعلى الرغم من استنفار الشرطة بـ 500 عنصر، إلا أن الساحات الضيقة خارج الملعب شهدت معركة طاحنة خلفت إصابات بليغة بين الضباط واعتقال 70 شخصًا، مع مصادرة ترسانة من الأسلحة البيضاء.
أصبح ميلوول في الثمانينيات «البعبع» المخيف في الكرة الإنجليزية، وارتبط اسمه بـ «معركة هايبري» ضد أرسنال عام 1988، وقبلها «أحداث شغب لوتون» عام 1985، حيث عاث مشجعوه دمارًا في ملعب «كينيلوورث رود»، ما دفع الحكومة البريطانية حينها للمطالبة بحظر النادي من الدوري.
لم يتوقف نزيف الدماء، فبعد سبعة أعوام من القطيعة، التقى الفريقان مجددًا، وإبان فوز وست هام، تعرض المشجع الشاب تيري بيرنز «19 عامًا» لهجوم غادر من مشجعي ميلوول وهو في طريقه للمنزل، ليلقى حتفه بعدة طعنات، في حادثة هزت المجتمع الرياضي الإنجليزي.
ومع الألفية الجديدة، خفتت حدة الصدامات المباشرة بسبب تباين الدرجات التي يلعب فيها الفريقان، لكن «السينما» أعادت إحياء هذه الأسطورة السوداء عالمياً عبر أفلام مثل «ذا فيرم» «1989» و «جرين ستريت» «2005».
وفي 25 أغسطس 2009، استيقظ الوحش النائم في مباراة كأس الرابطة على ملعب «أبتون بارك». وعلى الرغم من فوز وست هام «3ـ1»، إلا أن اللقاء طغى عليه اجتياح الجماهير للملعب ثلاث مرات، واشتباكات دامية في المحيط الخارجي أسفرت عن طعن أحد المشجعين، ليعيد المشهد للأذهان أن هذه المنافسة ليست مجرد تاريخ، بل هي جمرة تحت الرماد، تتحين فرصة الصعود المرتقب لميلوول إلى «البريميرليج» لتشتعل من جديد.
يصعب حصر المعارك التي انتهت بدماء في تاريخ ميلوول، ففي عام 2014، حين التقى الفريقان في الكأس، كان كبار السن من مشجعي وست هام هم من صبّ الزيت على النار، بعد تسريب رسائل تحريضية من «عرين الأسود» تقول: «احملوا معكم العصي والأدوات الحادة.. ولا تأتوا بالنساء والأطفال». لكن هذا العداء لا يقتصر على «المطارق» فحسب، بل يمتد ليشمل جماهير ليفربول، برمنجهام، مانشستر، تشيلسي، توتنام، وإيفرتون.
في 28 يناير 2019، وصف ضابط رفيع في شرطة لندن الشجار الجماعي بين مشجعي ميلوول وإيفرتون بأنه «أكثر أعمال العنف الكروي صدمة منذ عقود». مشهدٌ أعاد للأذهان أن وحش الشغب في جنوب لندن لم يمت، بل كان في «استراحة محارب».
فلسفة المنبوذين
يفتخر مشجعو ميلوول بأن «لا أحد يحبهم»، هو موقف تحدٍّ جماعي بدأ قبل أكثر من 110 أعوام وما زال نابضًا. يعترفون بكونهم منبوذين، بل ويعشقون هذا التصنيف، إيمانًا منهم بأن «المنافسة التي تتسم بالعنف هي الوحيدة التي تستحق العناء». يستمدون هذه العقيدة من إرث عصابة «بوشواكرز»، التي تُصنف كأعتى جماعات «الهوليجانز» في تاريخ إنجلترا.
أسهم موقع النادي في منطقة معزولة تسكنها أغلبية من الطبقة العاملة في خلق حالة من «الجيتو» الرياضي والتوتر الشديد. ويزداد الخطر مع طقوس تناول الكحول بكميات مفرطة في وقت مبكر من النهار وقبل التوجه للملعب، خاصة في المباريات «عالية الخطورة».
على الرغم من محاولات الإدارة الحثيثة لمكافحة هذه الظاهرة، إلا أن السمعة السيئة لا تزال تفرض ظلالها الثقيلة على أي تقدم فني يحرزه الفريق، كما حللت صحيفة «الجارديان»، فالتاريخ المحفور بالأفلام والأدب وتقارير الشرطة السوداء لا يُمحى بسهولة.
اليوم، ومع اقتراب ميلوول من عتبة «البريميرليج» في موسم 2025ـ2026، تحبس لندن أنفاسها. إنه عالم ميلوول الصاخب، حيث لا صوت يعلو فوق صوت «الاشتباك»، وحيث يوشك «المنبوذون» على العودة إلى الأضواء، حاملين معهم تاريخًا طويلًا من الغضب البدائي الذي قد يقلب موازين الأمن في أقوى دوري في العالم.
