زاخو قصة 39 عاما.. ملاعب ترابية وجائزة «فيفا»
في أقصى شمال العراق حيث تتكئ مدينة زاخو على حدود مفتوحة وتمر القوافل واللغات والوجوه المختلفة منذ عقود طويلة، لم تكن كرة القدم نشاطًا هامشيًا في المدينة العراقية بل لغة مشتركة وجدت طريقها إلى الأحياء والساحات قبل الملاعب الخضراء.
منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي بدأت اللعبة تمارس في زاخو بشكل غير رسمي ولافت بشكل كبير مثل كل بداية دخلتها الساحرة المستديرة إلى أي مدينة.. مباريات غير رسمية في الملاعب الترابية.. ومنافسات مدرسية بين الشبان.
بشكل متسارع ومتصاعد بدأت الرياضة تكسب قلوب أبناء زاخو التي يبلغ عدد سكانها نحو 500 ألف نسمة بحسب إحصائية نشرت 2020 مع هذا التطور والانتماء بالساحرة المستديرة شكل أول فريق كرة قدم عام 1948 في المدينة.
المعادلة كانت بسيطة عمال محليون وشباب المدينة حملوا الفكرة بإمكانات محدودة لكن وسط إيمان أن مدينتهم تستحق أن تصنع لنفسها اسمًا في الرياضة العراقية.
ومع مرور الأعوام واتساع النشاط الرياضي في المدينة بدأت فكرة الحاجة لكيان رسمي أكثر وضوحًا وإمكانات أكبر.
وبدأت شرارة الانطلاقة 1986 حينما طرحت الإدارة المسؤولة عن المركز الرياضي للشباب في زاخو تأسيس نادٍ يمثل المدينة بصورة مباشرة، لتولد واحدة من أهم المراحل في تاريخ الرياضة الزاخوية.
لم يكن الطريق سهلًا، إذ اشترطت الجهات الرسمية أن يشارك المركز الرياضي فعليًا في المنافسات لمدة عام كامل قبل تسجيل النادي، ولذلك شُكّلت فرق متعددة للفئات العمرية، وخاضت مباريات تجريبية كثيرة، وكأن المدينة كانت تختبر جاهزيتها لحلم انتظر طويلًا.
في العام نفسه، شارك مركز شباب زاخو في بطولة إقليمية جرت في دهوك، وواجه فرقًا أكثر خبرة وحضورًا مثل شرطة دهوك ومركز شباب دهوك وطلبة دهوك ونادي دهوك الرياضي، لكن زاخو لم تذهب لتكمل العدد، بل ذهبت لتعلن نفسها.
فازت على الجميع، وتُوّجت بالبطولة بعد انتصار مثير على دهوك بركلات الترجيح، في لحظة بدت وكأنها رسالة واضحة بأن المدينة أصبحت جاهزة لخطوتها التالية.
وبعد نجاحات أخرى في ألعاب مثل كرة السلة والمصارعة ورفع الأثقال وكمال الأجسام، جاء الاعتراف الرسمي أخيرًا، حين سُجّل نادي زاخو الرياضي في الثالث من يونيو عام 1987، لتبدأ الحكاية بصورتها المؤسسية، بعد سنوات طويلة من الانتظار.. لكن البدايات الرسمية لم تكن سهلة.
منذ تأسيس النادي وحتى عام 1990، لم يشارك الفريق في بطولات الاتحاد العراقي لكرة القدم لأسباب متعددة، قبل أن تأتي الفرصة أخيرًا في موسم 1990–1991 ضمن دوري الدرجة الثالثة.
دخل زاخو المنافسة في المجموعة الشمالية، ونجح في تصدّرها برصيد 15 نقطة، وكان على أعتاب خطوة جديدة نحو الصعود، قبل أن تأتي انتفاضة عام 1991 وتؤدي إلى إلغاء بقية الموسم، في ضربة موجعة لجماهير شعرت أن حلمًا اقترب كثيرًا ثم توقف فجأة.
وفي الموسم التالي، عاد النادي إلى المنافسات، وعاد معه الإصرار. تصدّر مجموعته من جديد بعد سلسلة نتائج قوية، ثم تأهل إلى المرحلة النهائية، وهناك واجه السماوة والحي والحلة في مواجهات حاسمة من مباراة واحدة.
لم يتراجع زاخو هذه المرة، بل أنهى المرحلة في الصدارة برصيد سبع نقاط، ليتوّج بطلًا لدوري الدرجة الثالثة العراقي ويصعد إلى الدرجة الثانية، في أول إنجاز رسمي كبير يضع اسم المدينة على خارطة الكرة العراقية.
ومع مرور الأعوام، ظل النادي يكبر ببطء، حتى جاء أحد أهم التحولات الحديثة في تاريخه. ففي الثالث من يونيو 2015، افتتح نادي زاخو ملعبه الجديد، المعروف باسم ملعب زاخو الدولي، عبر مباراة تجريبية أمام المنتخب العراقي، في مناسبة تجاوزت كونها مجرد افتتاح منشأة رياضية، لأنها مثّلت لحظة اعتراف بحجم الطموح الذي وصلت إليه المدينة.
ثم جاءت اللحظة التي تجاوز فيها اسم زاخو حدود الملاعب المحلية عندما فازت جماهير النادي بجائزة فيفا لأفضل جمهور لعام 2025.
وفي الأعوام الأخيرة، دخل النادي مرحلة أكثر تنافسية داخل دوري نجوم العراق. ففي موسم 2024–2025، أنهى زاخو الموسم في المركز الثالث برصيد 71 نقطة من 38 مباراة، بعد أن حقق 20 انتصارًا و11 تعادلًا مقابل 7 خسائر، وبفارق أهداف بلغ +32.
وهكذا، تبدو قصة زاخو أكثر من مجرد نادٍ صعد وهبط ونافس وفاز، بل حكاية مدينة وجدت في كرة القدم مرآةً لصبرها وعنادها وهويتها، ونجحت، بعد رحلة طويلة بدأت من مباريات الهواة، أن تصل إلى موعد جديد من التاريخ، حين يواجه زاخو فريق الشباب الأربعاء على ملعب خليفة الدولي في الدوحة، ضمن منافسات دوري أبطال الخليج، في مباراة تمثل للنادي وجماهيره فرصة لكتابة فصل جديد.