فيسيل كوبي.. سفينة قاومت الزلازل والإفلاس
في الساعة الخامسة وست وأربعين دقيقة من صباح يوم 17 يناير عام 1995، حين كانت مدينة كوبي لا تزال غارقةً في نومها الهادئ على ضفاف البحر الداخلي، اهتزت الأرض فجأة من أعماقها وكأن الطبيعة قرّرت أن تختبر روح هذه المدينة قبل أن تسمح لها بأن تحلم، في تلك اللحظة بالذات، كان المدرب والفريق والحلم بأسره يتهيؤون لأول تدريب في تاريخ نادٍ وليد اسمه فيسيل كوبي، لكن الزلزال لم يمنحهم هذه الفرصة، ابتلع الدمار الشوارع وهدم المباني وأخذ أكثر من 6,000 روح، وسكت كل شيء تحت ركام الكارثة، كان يمكن لذلك اليوم أن يكون نهاية القصة قبل أن تبدأ.
لكن كوبي لم تكن مدينةً تعرف الاستسلام، فهذه المدينة التي فتحت ميناءها للعالم منذ عام 1858 وتشرّبت من روح البحارة صلابتهم وعنادهم، رفضت أن تدفن حلمها تحت الأنقاض، نهض الناس وأعادوا بناء ما تهدّم، وفي أروقة الأندية والمقاهي ومجالس الحيّ ظلّت جذوة الحلم متقدة، ذلك الحلم الذي جمع 240,000 توقيع من أبناء المدينة مطالبين بنادٍ يحمل اسمها ويحمل معه طموحاتها، كانت تلك التوقيعات ليست مجرد أسماء على ورق، بل كانت عقدًا بين الناس وفريقهم، وعهدًا بأن لا يتخلى أحدهما عن الآخر مهما اشتدّت العواصف.
وحين آن أوان بناء هذا الحلم حجرًا حجرًا، شيّدت المدينة لفريقها صرحًا يليق بتاريخها، فأُقيم ملعب نويفير ستاديوم كوبي في حديقة ميساكي العامة على بُعد خطوات من عبق الميناء، يتسع لـ28,962 متفرجًا يجلسون على مقربة لا تتجاوز 6 أمتار من حدود الملعب، حتى ليكاد المشجع يسمع أنفاس اللاعبين ويلمس عرقهم بيده.
بُني هذا الصرح بمناسبة كأس العالم 2002 وأُدخلت عليه أرضية هجينة متطورة عام 2018 كانت الأولى من نوعها في اليابان، وتعاقبت عليه أسماء عدة قبل أن يستقر اسمه الحالي عام 2013، لكنه في كل مسمياته ظل واحدًا، قلعةً تحرس الحلم وتشهد على كل انتصار وكل دمعة.
مضت السنون بما فيها من صعود وهبوط، من إفلاس أسدل ستاره على النادي عام 2003 ومن إنقاذ جاء على يد رجل الأعمال هيروشي ميكيتاني ابن المدينة الذي أبى أن يرى فريق مسقط رأسه يُطوى في صفحات النسيان، تسلّم ميكيتاني الدفة بيد ثابتة وراح يبني من جديد، فتوالى على كرسي التدريب رجال من مشارب شتى، من الإسباني خوان مانويل ليّو الذي نفخ في الفريق روح الكرة التمريرية عام 2018، إلى الألماني ثورستن فينك الذي صنع أول لقب في تاريخ النادي عبر كأس الإمبراطور عام 2020، وصولًا إلى الياباني تاكايوكي يوشيدا الذي حفر اسمه في ذاكرة المدينة بحروف من ذهب حين قاد الفريق إلى لقبَي الدوري المتتاليين في 2023 و2024، قبل أن يُسلّم الراية للألماني مايكل سكيبه الذي يواصل اليوم مسيرة الطموح بخطى ثابتة.
بدأت مرحلة مختلفة حين قرّر ميكيتاني أن يجلب إلى شوارع كوبي الضيّقة المفروشة بالتاريخ أعظم ما أنجبته كرة القدم العالمية، ففي 2017 وطأت أرض ملعب نويفير قدما لوكاس بودولسكي حامل كأس العالم 2014 وصاحب 48 هدفًا في 129 مباراة دولية مع ألمانيا، ثم في مايو 2018 هبط أندريس إينيستا من طائرة هيروشي ميكيتاني الخاصة فاتحًا ذراعيه لمدينة أحبّها قبل أن يراها، وقد صنع وصوله صدمةً للعالم الكروي الذي توقّع أن يذهب إلى الدوري الصيني، غير أن الرجل اختار الميناء الياباني على كل الموانئ.
وفي ديسمبر من العام ذاته جاء دافيد فيّا مهاجم إسبانيا الأوفر تهديفًا في التاريخ ليسجّل 13 هدفًا في 28 مباراة قبل أن يودّع الكرة إلى الأبد في ملعب كوبي نفسه.
ثم أضاف سيرخي سامبير وبويان كركيتش وخوان ماتا لمساتهم التاريخية، فصار الفريق وكأنه نسخة يابانية من دار الفنون البرشلونية في ذروتها.
ثمرة هذا كله كانت 5 ألقاب تُزيّن خزانة النادي، لقب كأس الإمبراطور عام 2020 وهو الأول في تاريخه، يليه كأس السوبر الياباني في العام ذاته، ثم لقب الدوري عام 2023 أول تتويج من نوعه بعد 27 عامًا من الانتظار، فلقب الدوري مجددًا عام 2024 رفقة كأس الإمبراطور ثانيةً لتكتمل الثنائية المحلية، ليصير فيسيل كوبي في غضون أعوام قليلة من نادٍ يصارع الهبوط إلى سيد الكرة اليابانية بلا منازع.
اليوم، وبعد 6 عقود من الميلاد في مصانع الصلب البعيدة، يقف فيسيل كوبي على عتبة التاريخ مرةً أخرى، في قلب السعودية وتحت سماء جدة، يحمل في ثنايا قميصه المخطط بالأبيض والأسود كل ما مرّ به من زلازل ودموع وانتصارات، يتطلع إلى نهائي آسيوي لم يبلغه يومًا، تلك هي قصة فيسيل كوبي، سفينة النصر التي كلّما اشتدّ الموج زاد قبّانها إصرارًا على الإبحار.