المونديال.. شتات يجمعه الدم وتفرقه القمصان

لوكاس وثيو هيرنانديز نجما منتخب فرنسا الأول لكرة القدم (أرشيفية)
الرباط ـ الألمانية 2026.06.12 | 02:37 pm

في كأس العالم 2026، تشير المعطيات إلى أن نحو ربع اللاعبين المختارين لتمثيل المنتخبات الوطنية، من أصل 1248 لاعبًا، ولدوا خارج الدول التي سيدافعون عن ألوانها.
وفي بعض المنتخبات، لم يعد الأمر استثناءً بل غدا قاعدة ثابتة، فمنتخب كوراساو يضم 96% من اللاعبين المولودين في الخارج، بينما تبلغ النسبة 85% في منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتصل إلى 73% في المنتخب المغربي.
وفي 8 منتخبات من أصل 48 مشاركًا في البطولة، يشكل اللاعبون المولودون خارج البلاد الأغلبية المطلقة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تطور في آليات اختيار اللاعبين، بل تؤصل لتحول أعمق في طبيعة كرة القدم الدولية نفسها، من لعبة تعرفها الحدود السياسية إلى فضاء مفتوح تتحرك فيه الهويات والمسارات عبر القارات.
رغم ما يبدو من حداثة هذه الظاهرة، فإن الهجرة كانت حاضرة في أدبيات كأس العالم منذ بداياته الأولى، ففي نسخة 1938 على سبيل المثال، كان 12% من اللاعبين يمثلون دولًا غير تلك التي ولدوا فيها.
وفي تلك المرحلة المبكرة، لم تكن قواعد الأهلية واضحة أو صارمة، إذ لم يضع الاتحاد الدولي لكرة القدم إطارًا قانونيًا منظمًا لتمثيل المنتخبات الوطنية إلا 1962، ما جعل تبديل الجنسية الرياضية أو تمثيل أكثر من بلد أمرًا شائعًا وأقل تعقيدًا مما هو عليه اليوم.
لاحقًا، أصبحت القصة أكثر ارتباطًا بالهجرة المنظمة، أو بالروابط العائلية العميقة، لاعبون ولدوا في بلد، ونشؤوا في آخر، ثم اختاروا تمثيل بلد ثالث، وآخرون حصلوا على الجنسية عبر استيفاء شروط الإقامة.
ويجسد النجم إيفان راكيتيتش، الذي ولد ونشأ في سويسرا قبل أن يختار تمثيل كرواتيا ويقودها إلى نهائي مونديال 2018، هذا التداخل المعقد بين الانتماء الشخصي والاختيار الرياضي. أما المدافع «بيبي»، فقد ولد في البرازيل لكنه أصبح أحد الأعمدة التاريخية لدفاع البرتغال في أربع نسخ متتالية من كأس العالم بعد حصوله على الجنسية في سن الرابعة والعشرين.
المثال الأبرز في نسخة 2026 يتجلى في عيسى ديوب مدافع «أسود الأطلس» الذي يحمل جنسية المغرب وفرنسا والسنغال.
في فرنسا، كان المنتخب الفائز بكأس العالم 2018 مرآة لتركيبة اجتماعية تتجاوز الرياضة بمسافات، إذ أن 12 لاعبًا من أصل 23 ينحدرون من أصول إفريقية، في انعكاس مباشر لعلاقات استعمارية وما بعد استعمارية طويلة مع شمال وغرب إفريقيا.
وفي الأمر استمرارية تمتد لعقود، فالأمر لم يكن مختلفًا عن تركيبة منتخب «الديكة» المتوج بلقب 1998 الذي استضافته بلادهم وأهم نجم حينها لم يكن سوى زين الدين زيدان ذي الأصول الجزائرية. أما ابنه لوكا من أم إسبانية فيدافع عن ألوان المنتخب الجزائري في مونديال 2026.
وفي سويسرا، بدأت ملامح المنتخب تتغير جذريًا منذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، مع تزايد حضور لاعبين من أصول تنتمي إلى دول يوغوسلافيا السابقة، في سياق موجات لجوء وهجرة أعقبت حروب التسعينيات وتفكك الاتحاد اليوغوسلافي. أما إنجلترا، فتقدم بدورها سردية هجرة مختلفة، ففي تشكيلة 2026، يظهر عدد من اللاعبين ذوي الجذور المهاجرة، تعود معظمها إلى مستعمرات بريطانية سابقة في إفريقيا ومنطقة الكاريبي. وفي الاتجاه المعاكس، اختار 24 لاعبًا ولدوا في إنجلترا تمثيل منتخبات أخرى، توزعت بين إسكتلندا والولايات المتحدة وغانا ونيوزيلندا. لم تعد الحدود الجغرافية إذن وحدها من تحدد ملامح المنتخب، بل شبكة معقدة من الهجرة والإقامة والهوية العائلية الممتدة.



مشهد درامي
ولا تتوقف تجليات هذه الشبكة المعقدة من الهوية العائلية الممتدة عند حدود الأصول والمنشأ، بل تمتد لتصنع مشهدًا دراميًا داخل الأسرة الواحدة، حيث تشهد نسخة 2026 حضورًا قياسيًا للأشقاء، يبرز من بينهم سبعة من الإخوة.
تتجسد المفارقة الجيو سياسية في اختيار ثلاثة أزواج منهم الدفاع عن ألوان منتخبات مختلفة، مثل الأخوين غير الشقيقين برايان بروبي الذي يرتدي قميص هولندا، بينما يمثل شقيقه ديريك لوكاسين منتخب غانا، وفي السياق ذاته يمثل جون سوتار إسكتلندا، في حين يدافع شقيقه هاري عن ألوان أستراليا، ناهيك عن الأخوين إيناكي ونيكو ويليامز اللذين يواصلان مسيرتهما الدولية الفريدة بتمثيل غانا وإسبانيا على التوالي.
في المقابل، يختار أشقاء آخرون الاصطفاف تحت راية وطنية واحدة تجمع شتات مساراتهم، مثل لوكاس وثيو هيرنانديز مع فرنسا، والأخوين دوارتي مع الرأس الأخضر، وآل باكونا مع كوراساو، بل إن الشقيقين التوأم يوريان وكوينتن كانا على وشك رفع هذه القائمة الطريفة مع هولندا لولا أن الإصابة حرمت الأول من الحضور.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News