نمط الأخضر التاريخي.. التجريبيات خادعة
من نشوة ملاعب أمريكا في 1994، إلى صدمة «سابورو دوم» في اليابان، وصولًا إلى ملحمة «لوسيل» التاريخية، تباينت بدايات المنتخب السعودي الأول لكرة القدم في كأس العالم عن آخر مبارياته التجريبية في معسكره الإعدادي، وفي كل مرة تكون ركلة البداية غير متوقعة، تسبقها بروفات مخادعة لا تنعكس على المواجهة الأولى.
وقبل مواجهة ملعب «هارد روك» في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية، الذي يتسع لأكثر من 64 ألف متفرج، يترقب الجمهور بحذر: ماذا سيقدم الأخضر؟ هل ننتظر ملحمة أخرى أم نكسة جديدة؟ عطفًا على ما قدَّمه الأخضر في مشاركاته الست الماضية، يمكن توقع نمط معين تتباين فيه نتائج التجريبيات عن مستويات المباراة الأولى.
في صيف 1994، كان الأخضر يستعد لدخول التاريخ في الأراضي الأمريكية، في التجريبية الأخيرة ضد ترينيداد وتوباجو، عزف الهجوم السعودي سيمفونية رائعة وانتصر 3ـ2، بعدها ظن الجميع أنَّ الطريق ممهد، لكن في الموقعة الرسمية الأولى، كان الطاحونة الهولندية بانتظارهم في ملعب روبرت كينيدي التذكاري في العاصمة واشنطن دي سي، وعلى الرغم من أنَّ فؤاد أنور صعق البرتقالي بهدف تاريخي، إلا أنَّ فارق الخبرة والبدنيات في الشوط الثاني حوَّل الفرحة التجريبية إلى خسارة رسمية مريرة 1ـ2 في الدقائق الأخيرة.
عند قراءة تاريخ للمنتخب السعودي مع كأس العالم ومقارنة البداية، مع نتائج ومجريات معسكره الإعدادي الأخير، يمكن التكهن بنمط صالح للتنبؤ بما سيحدث أمام أوروجواي.
هذا النمط التاريخي يقوم على قاعدتين ذهبيتين تحكمان أداء الأخضر في الافتتاحيات المونديالية، الأولى معاكسة بشكل تام، التجريبيات الهادئة تعني بداية مشتعلة، يقابلها التجريبيات الرائعة، يقابلها فشل ذريع.
لا يسير أداء المنتخب السعودي في المباراة الرسمية الأولى أبدًا على خط مستقيم مع نتيجته في التجريبية الأخيرة، غالبًا ما يحدث دائمًا تحول دراماتيكي مفاجئ يُقلب التوقعات، يحوّل الخوف لفرح، والثقة لحسرة.
غالبًا، متى ما ظهر المنتخب السعودي بشكل باهت في تجريبيته الأخيرة في معسكره الإعدادي قبل السفر لأرض المونديال، مثل الخسارة من كرواتيا 2022 أو سداسية النرويج 1998، فإن الأداء في المباراة الرسمية الأولى يكون أكثر انضباطًا، وصرامة، وقتالية. ترفع الصدمة التجريبية منسوب التركيز الذهني لدى اللاعبين إلى الدرجة القصوى، وتجبر الجهاز الفني على إغلاق الثغرات واللعب بواقعية دفاعية شديدة، ما ينتج عنه أداء رسمي قوي يفوق التوقعات.
فبعد زلزال النرويج الذي هزَّ مدينة مولده النرويجية، التي خسر فيها الأخضر بنتيجة 0ـ6، طار الفريق إلى فرنسا والجميع يتوقع كارثة تاريخية أمام الدنمارك في الافتتاح، وعلى الرغم من أنَّ المنتخب خاض بروفته الأخيرة قبل المونديال مباشرة ضد المكسيك وتعادل فيها سلبًا لامتصاص الغضب، إلا أنَّ الجماهير ظلَّت تتوجس من سداسية النرويج. لكن في المباراة الرسمية، ظهر أخضر مختلف تمامًا، صلب ومقاتل، وخسر بصعوبة بالغة وبهدف وحيد، ليثبت أنَّ صدمة التجريبية كشفت العيوب مبكرًا، ونبهت الفريق لثغراته الدفاعية والانضباطية، فدخل مواجهة الدنمارك بصلابة وتنظيمٍ عالٍ.
وفي عام 2006، انتهى البرنامج الإعدادي بخسارة تجريبية من تركيا بنتيجة 0ـ1، وقبلها خسارة مماثلة من التشيك 0ـ2 في ختام معسكره، ثم جاءت الافتتاحية بأداء هجومي متوازن ضد تونس انتهى بالتعادل 2ـ2، اقترب فيه الأخضر من تحقيق الفوز لولا أنَّ الثواني الأخيرة مكنت نسور قرطاج من التعادل.
أما القصة الأجمل والأكثر إثارة، فكتبت فصولها في قطر 2022، حيث خسر الأخضر تجريبيته الأخيرة أمام وصيف العالم كرواتيا 0ـ1، وقبلها تعادل مع بنما المتواضعة سلبًا، لكن المدرب الفرنسي هيرفي رينارد لم يكن يبحث عن النتيجة. وفي المباراة الرسمية الأولى، كان الخصم هو الأرجنتين بقيادة ميسي المرشح الأول للقب. دخل الأخضر بروح انتحارية وتكتيك «مصيدة التسلل» الشهير، ليقلب الطاولة وينتصر 2ـ1 في كبرى مفاجآت تاريخ كأس العالم، لتتحوَّل الخسارة من كرواتيا إلى نقطة تحول إيجابية.
في المقابل، إذا قدَّم المنتخب أداءً مبهرًا أو نتيجة إيجابية في تجريبياته الأخيرة، مثل الفوز على السنغال 2002، ومجاراة ألمانيا 2018 «الخسارة بصعوبة 1ـ2»، فإن الأداء في المباراة الرسمية الأولى يميل إلى التراجع الحاد والانهيار التكتيكي، ربما يكمن السبب في تسرب الاطمئنان والثقة المبالغ فيها إلى نفوس اللاعبين، وعند الاصطدام بأجواء المونديال الرسمية الصاخبة وضغط الجماهير، ينهار الفريق ذهنيًّا وتحدث الخسارة الثقيلة.
لقد خدع الفوز التجريبي على السنغال عام 2002، والأداء البطولي أمام ألمانيا عام 2018 اللاعبين، ومنحهم ثقة زائدة تحوّلت في المواجهات الرسمية الأولى إلى كوابيس قاسية، بالخسارة 0ـ8 من ألمانيا، و0ـ5 من روسيا.
قبل مباراة أوروجواي، لم تكن نتائج الأخضر التجريبية مثالية، إذ انتهت بتعادل سلبي مع السنغال. يمنح هذا النمط من التباين بين نتائج التجريبيات والمباراة الأولى لاعبي الأخضر فرصة لدخول مواجهة أوروجواي بنسبة تركيز ذهني عالٍ، وخالٍ تمامًا من الثقة المبالغ فيها.
لم تشهد فترة الإعداد الجارية تخديرًا بالفوز العريض المتواصل مثل وهم عام 2002، ولم تشهد «انهيارًا كارثيًّا» مثل صدمة عام 1998، بل جاءت متوازنة ومتدرجة بين الخسارة، الفوز، ثم التعادل.
يعطي هذا التدرج الواقعي انطباعًا بأن المنتخب السعودي يدخل المونديال بنضج تكتيكي كبير وهدوء نفسي، وهو المؤشر الأهم الذي يتنبأ بأن الأخضر سيقدم مباراة افتتاحية قوية ومتكافئة جدًّا أمام أوروجواي الثلاثاء، بعيدة تمامًا عن مفاجآت الانهيار التاريخية.