د. إبراهيم بكري
هل تشبعنا كرة القدم بعد كأس العالم؟
2026-08-11
بعد أسابيع طويلة من المتعة الكروية، ومباريات كأس العالم التي رفعت سقف الإثارة والجودة الفنية، يجد عشاق كرة القدم أنفسهم أمام سؤال يبدو غريبًا لكنه يستحق التأمل: هل تشبعنا كرة القدم؟.

المشكلة ليست في كرة القدم نفسها، وإنما في حجم الجرعة التي حصل عليها المشاهد خلال الصيف. فمباريات كأس العالم تجمع أفضل اللاعبين في العالم، وأقوى المنتخبات، وأعلى درجات التركيز، وتُقام وسط أجواء تنافسية لا تتكرر كثيرًا. وبعد هذا المستوى المرتفع من المتعة، يصبح الانتقال مباشرة إلى مباريات الدوري المحلية أشبه بالانتقال من مباراة نهائية إلى مباراة تحضيرية.

وهنا تظهر إحدى أهم المشكلات التي تواجه الأندية بعد كأس العالم. فاللاعبون الدوليون يحصلون عادة على فترة راحة واستشفاء أطول بعد مشاركتهم في البطولة، ثم يلتحقون بمعسكرات أنديتهم متأخرين، في الوقت الذي يكون فيه بقية اللاعبين قد قطعوا شوطًا مهمًا في الإعداد البدني والفني. وهذا التأخر قد يؤثر في جاهزية الفرق وانسجامها، خصوصًا خلال الأسابيع الأولى من الموسم.

الأمر لا يتعلق باللياقة البدنية فقط. اللاعب الذي خاض مباريات عالية الضغط والتوتر في كأس العالم يحتاج إلى استعادة توازنه النفسي قبل العودة إلى المنافسات المحلية. وبعد أن عاش أجواء الجماهير العالمية، والضغوط الإعلامية، والمباريات التي تحدد مصير منتخبات بأكملها، قد يحتاج إلى وقت حتى يستعيد الدافع نفسه عندما يعود لخوض مباراة في الجولة الأولى من الدوري.

كما أن الجماهير نفسها قد تحتاج إلى فترة انتقالية. فقد اعتادت خلال كأس العالم مشاهدة مباريات تضم أفضل المواهب، وقرارات تكتيكية عالية المستوى، وسرعة كبيرة في اللعب، ومنافسة لا تسمح بالخطأ. لذلك قد تكون المقارنة قاسية على الدوريات المحلية في بدايتها، ليس لأنها ضعيفة، وإنما لأن معيار المشاهدة ارتفع بشكل استثنائي.

لكن كرة القدم تملك قدرة غريبة على تجديد الشغف. ربما نشعر الآن بالتشبع، لكن مع أول ديربي، أو أول مواجهة كبيرة، أو أول منافسة حقيقية على صدارة الدوري، ستعود الجماهير إلى المدرجات والشاشات من جديد. فالشغف لا يرتبط فقط بجودة المباراة، بل أيضًا بالانتماء، والمنافسة، وقصة الموسم.

لا يبقى إلا أن أقول:
التحدي الحقيقي أمام الأندية بعد كأس العالم ليس إعادة الجماهير إلى كرة القدم، وإنما تقديم منتج قادر على منافسة ما شاهدته الجماهير في المونديال. وهذا يتطلب مباريات أكثر جودة، وجدولة أفضل، واستثمارًا أكبر في اللاعبين والمدربين، والاستفادة من الزخم الذي تركته البطولة.
قد نكون تشبعنا من مشاهدة كرة القدم، لكننا بالتأكيد لم نشبع من انتظار الحكاية الجديدة. فكل موسم يحمل قصة مختلفة، وكل بطولة تمنحنا سببًا جديدًا للمشاهدة. وربما يكون أجمل ما في كرة القدم أنها، مهما أعطتنا من متعة، تعرف دائمًا كيف تجعلنا نعود إليها من جديد.

هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك وشكرًا لك.