د. إبراهيم بكري
العودة للمدارس.. هل نعيد أطفالنا إلى الحركة؟
2026-08-18
مع عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، تعود معها مسؤولية لا تقل أهمية عن التعليم والتحصيل الدراسي، وهي إعادة أطفالنا إلى النشاط والحركة. فالطفل في المرحلة الابتدائية لم يعد يقضي يومه كما كانت الأجيال السابقة، في اللعب والجري في الأحياء والساحات، بل أصبح جزءًا كبيرًا من وقته أمام الشاشات والألعاب الإلكترونية، حتى أصبحت المنافسة الحقيقية على وقت الطفل بين الملعب والشاشة.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة، وخاصة معلم التربية البدنية، في إعادة تشكيل علاقة الطفل بالنشاط الرياضي. فحصة التربية البدنية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها حصة للترفيه أو فرصة للخروج من الفصل، وإنما مساحة تعليمية أساسية يتعلم فيها الطفل كيف يحافظ على صحته، ويكتسب العادات الحركية التي يمكن أن ترافقه طوال حياته.
المشكلة أن مطالبة الطفل بممارسة الرياضة لم تعد كافية. فالطفل اليوم يجد في الألعاب الإلكترونية متعة وإثارة ومنافسة ومكافآت فورية، ولذلك فإن إقناعه بترك الجهاز والذهاب إلى الملعب يحتاج إلى أسلوب مختلف. يجب أن نجعل الرياضة نفسها ممتعة، وأن نمنح الطفل فرصة الاختيار والمنافسة والتحدي، وأن نبتعد عن تحويل النشاط البدني في هذه المرحلة إلى تعليمات صارمة أو اختبارات تجعل الطفل يربط الرياضة بالضغط.
وهنا يظهر الدور المهم لمعلم التربية البدنية، فهو ليس مدربًا فقط، بل قد يكون الشخص الذي يصنع علاقة الطفل بالرياضة منذ سنواته الأولى. يستطيع المعلم أن يحول الحصة إلى تجربة مليئة بالألعاب والحركة، وأن يكتشف ميول الأطفال المختلفة؛ فهذا الطفل قد يحب كرة القدم، وآخر الجري، وثالث الألعاب الجماعية، ورابع الجمباز أو السباحة. المهم أن يجد كل طفل النشاط الذي يجعله يحب الحركة.
أما الأسرة، فعليها أن تكون قدوة. من الصعب أن نطلب من الطفل الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية بينما يقضي الوالدان ساعات طويلة أمام الهواتف. ويمكن للأسرة أن تجعل النشاط البدني جزءًا من الحياة اليومية؛ بالمشي، واللعب الجماعي، والرحلات، وممارسة الرياضة في عطلة نهاية الأسبوع، مع تنظيم وقت استخدام الأجهزة بدلًا من المنع الكامل.
والهدف ليس أن نصنع من كل طفل رياضيًا محترفًا، وإنما أن نصنع جيلًا يعرف قيمة الحركة. فالطفل النشيط لا يستفيد بدنيًا فقط، بل يتعلم التعاون والانضباط والثقة بالنفس، ويكتسب عادات صحية يمكن أن تحميه مستقبلًا من آثار الخمول وقلة النشاط.
لا يبقى إلا أن أقول :
إن العودة إلى المدارس يجب أن تكون عودة إلى التعلم والحركة معًا. وإذا نجحنا في جعل الطفل ينتظر حصة التربية البدنية بشغف كما ينتظر لعبته الإلكترونية، فنحن لا ننجح في حصة مدرسية فقط، بل نضع أساسًا لجيل أكثر صحة ونشاطًا. فالمنافسة اليوم ليست بين الرياضة والرياضة، بل بين الحركة والشاشة، والفائز في هذه المنافسة سيحدد شكل صحة أطفالنا في المستقبل.
هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك وشكرًا لك.