أحمد الحامد⁩
حركة الزمن.. و«الدليلة»
2026-08-31
كان الشخص الذي يحفظ الطرق والأماكن يسمى «دليلة» أي يدل الأماكن، وهي موهبة لا يتمتع بها إلا القلة من الناس، وكان بعضهم يرافقون القوافل قديما كأدلاء، وحتى مع ظهور السيارات كانت لهم أهميتهم ومكانتهم. أذكر أني في شوارع لندن في التسعينيات كنت أستعين بصديقي ماجد لأنه كان دليلة، لا يمر في طريق حتى يحفظ مداخله ومخارجه، بينما لا أحفظه أنا حتى لو مررت به عشرات المرات. لم أعتقد يومًا أن الزمن سيقضي على موهبة الشخص الدليلة ويستبدلها بقوقل ماب والتطبيقات المشابهة، لكني أصبحت شاهدًا على قوة هذا التبدل العجيب، لا يوجد أحد اليوم بحاجة لحفظ الطرقات، ولا الاستعانة بأدلاء، ولا في سؤال أحدهم عن طريق. لا شك أن قوقل ماب أنقذ الناس الذين لا يحفظون الطرق، وجعل الجميع «دليلة»، لكنه أفقد الموهوبين بحفظ الطرق تلك المكانة الرمزية التي كانوا يحظون بها. خسر صديقي ماجد موهبته أمام قوقل ماب، أضاعها في حركة الزمن وتبدل أحواله. القارئ للتاريخ يجد العشرات من المواهب عاشت مجدها في أزمنة معينة، قبل أن تظهر الماكينة وتفقدهم قيمة موهبتهم. حتى الموهبة لا بد أن تكون في التوقيت الصحيح وإلا لن يكون لها أثر، تخيلوا لو أن مارادونا وكريستيانو وميسي ولدوا قبل ابتكار كرة القدم!. وتخيلوا لو عنتر بن شداد ولد في هذا الزمن التي تحكمه القوانين والضوابط، فهل كان لقوته وشجاعته نفس الأثر في يومنا هذا؟، لن تمر أكثر من 20 عامًا وسينتهي عمر بعض المواهب، في الإعلام كنت أكتب قبل سنوات ممازحًا أن الذكاء الاصطناعي سيستبدل المذيعين، والآن أكتبها كحقيقة، قد لا يستبدل كل المذيعين لكن أصوات ووجوه الذكاء الاصطناعي ستملأ الإذاعات والشاشات، وستتطور الأصوات الغنائية الاصطناعية بحيث تصبح أكثر جمالًا مما عليه اليوم. في صناعة الفيديو أصبحت لا أفرق بين الفيديوهات الحقيقية والمولدة اصطناعيًا، موهبة صناع السينما في مرحلة التغيير، صار الذكاء الاصطناعي يكتب ويصور ويُخرج ويصنع أشكال الأبطال، حتى الفيديوهات التي يصورها الناس في الشارع لن تستمر بهذا الشكل، وسيصنع الناس في منازلهم مقاطع الشارع وكأنها حقيقية، وكم تفاجأت بعدما شاهدت فيديوهات للشرطة البريطانية وهي تقبض على لصوص الساعات، ثم أعلنت الشرطة بأن ما شاهدناه كان مولدًا اصطناعيًا وليس حقيقيًا. حركة الزمن كانت دائمًا مستمرة، لكننا في الزمن الذي تسير سرعته بسرعة الصاروخ!.