خالد الشايع
فوضى النصر.. أزمة تكتيكية وليست رقابة مالية
2026-09-16
بعد السقوط غير المتوقع لفريق النصر الأول لكرة القدم برباعية قاسية أمام العين الإماراتي في مستهل مشواره بدوري أبطال آسيا للنخبة، تعالت في الأفق الرياضي أزمة وعي معتادة تصاحب الانكسارات الكبرى، سارعت الأصوات الجماهيرية والإعلامية المهتمة بالشأن الأصفر إلى تعليق الفشل على شماعة «الرقابة المالية المشددة» من جديد، واللوم على حرمان النادي من إبرام تعاقدات جديدة، في محاولة لتصوير الفريق وكأنه جُرِّد من أسلحته أو بات ينافس بمجموعة من لاعبي الدرجة الثانية، وهو ما ينافي الحقيقة تمامًا.

في كرة القدم الحديثة، غالبًا ما تُستخدم البيروقراطية والرقابة المالية كأقنعة مريحة لإخفاء العيوب الهيكلية الفاضحة على أرض الملعب، عقب الهزيمة الثقيلة، ارتفعت نغمة أن النادي ضحية لـ «قيود تعسفية» فرضتها الرقابة عبر تجميد الصفقات، غير أن نظرة سريعة على كشف رواتب النادي وقائمته المحدثة في الموسم الماضي تحيل هذه الأعذار إلى رماد، فالحديث هنا ليس عن تشكيلة مستنزفة، بل عن منظومة كلف تجديدها في الموسم الماضي وحده ما يربو على 180 مليون يورو، حسبما أعلن في مواقع شبه رسمية، لشراء عقود عشرة لاعبين جدد، يُضاف إليها 22 مليون يورو ضُخت الصيف لكسر عقد البرتغالي سامو كوستا من ريال مايوركا.

لا تبدو فكرة «العجز عن التدعيم» متسقة مع الفاتورة السنوية الكبيرة التي يدفعها النصر لرواتب هؤلاء الوافدين في آخر موسمين فقط بقيادة جواو فيليكس براتبه البالغ 25 مليون يورو، وكومان بـ12.5 مليون يورو، إلى جانب بقية النجوم سيماكان ومارتينيز والأسماء المحلية مثل سعد الناصر ونادر الشراري، وهي فاتورة تلتهم ما يقارب 62 مليون يورو سنويًا، هذا عدا رواتب اللاعبين المستمرين مع الفريق، فأين هي الخانات الشاغرة التي يمكن أن يملأها النصر وعقود هؤلاء النجوم ما زالت سارية لموسمين وثلاثة مواسم قادمة؟.
وهنا يبرز جوهر الأزمة التي لا يود النصراويون الاعتراف بها، لا يمكن الاستمرار في الإنفاق الباذخ بهذا الشكل في كل موسم، لا يوجد نادٍ في العالم يمكنه ذلك حتى ولو كان يملك موارد مالية كافية.

الحقيقة أننا أمام مدرب عاجز تمامًا عن قراءة المباراة، وتشكيلة تفتقد لأدنى درجات التوازن، دفاع مرتبك تنظيميًا للاعبين قادمين من برشلونة ولايبزيج، خلفهم حارس منتخب البرازيل، ووسط لا يفرض حضوره، وهجوم بلا حلول واضحة، رغم أن عناصره قادمة من بايرن ميونيخ وأتلتيكو مدريد ومانشستر يونايتد، تحول النصر، في غضون أشهر، من فريق يدخل المباريات بعقلية البطل ويملك شخصية قوية فريدة، إلى فريق يبدو عاجزًا ومفككًا داخل المستطيل الأخضر.
الأخطر من الهزيمة ذاتها، هو أن هذه الأخطاء التكتيكية تتكرر بحذافيرها دون أن نشاهد أي ردة فعل فنية حقيقية أو تعديل في النهج داخل الملعب، مشكلة النصر الحقيقية في غرفة الملابس لا في حسابه البنكي.

ترحيل الأزمة إلى «خارج الملعب» ولوم اللوائح هو الهروب المثالي من مواجهة الحقيقة الإدارية والفنية التي يعاني منها النادي، النصر ليس ضحية شُح مالي، بل هو ضحية تخمة نجوم لا يتم التعامل معهم كما يجب، وغياب تام للهوية الفنية. الفريق الأعلى إنفاقًا وفاتورة أجور هي الأعلى في العالم، يعاني من تفكك صارخ داخل خطوط الملعب، وإذا أراد النصر النجاة والعودة للمنافسة سريعًا، فعلى بيئته أن تكف عن ممارسة لوم الرقابة المالية، وأن تدرك أن المرض الفني يكمن في عجز التوظيف والتدريب داخل الملعب، وليس في مكاتب اللوائح.