أمل إسماعيل
من مدرجات الحلم إلى قلب الميدان
2026-10-10
في خليجي جدة 2026، لم أكن أتابع المباريات وحدها، ولم تكن النتيجة هي ما يشغلني طوال الوقت. كانت هناك صورة أخرى تستوقفني، وتعيدني سنوات إلى الوراء، صورة زميلاتي الصحافيات السعوديات والخليجيات وهن يعملن من قلب الحدث، ويتنقلن بين الملاعب والمنصات الإعلامية، ويحملن أدواتهن الصحافية بثقة، وكأن هذا المشهد كان دائمًا جزءًا طبيعيًا من كرة القدم.

خلف هذه الصورة حكاية طويلة من الانتظار والمحاولات والإصرار، حكاية عشتها بنفسي، منذ بدأت رحلتي مع كأس الخليج في اليمن عام 2010، حين كان وجود المرأة الصحافية داخل الملعب مشهدًا استثنائيًا، وحين كان عليّ، قبل أن أكتب عن المباراة، أن أثبت أن مكاني في الميدان حق مهني، وأن قدرتي على العمل لا تقل عن قدرة أي زميل.

أتذكر تلك البدايات بكل تفاصيلها. أتذكر نظرات الاستغراب، والأسئلة التي كانت تسبق أحيانًا أسئلة كرة القدم، والتحدي الذي رافق خطواتي الأولى في الملاعب الخليجية. لم تكن مهمتي أن أغطي المباريات فقط، بل أن أفتح، بحضوري وعَملي، نافذة صغيرة لنساء أخريات يحلمن بالوقوف في المكان نفسه.

وفي خليجي 2014، كنت الصحافية الوحيدة المصرح لها رسميًا بالتغطية الميدانية من داخل الملعب، في مرحلة لم يكن فيها الحضور النسائي الإعلامي في الملاعب أمرًا مألوفًا. لم أكن أرى في ذلك امتيازًا شخصيًا بقدر ما كنت أراه مسؤولية، لأنني كنت أعرف أن كل خطوة أخطوها قد تجعل الطريق أكثر وضوحًا لصحافيات أخريات.

واليوم، وأنا أشاهد زميلاتي في جدة خلال خليجي 2026، أشعر بفرح يصعب اختصاره في كلمات. أفرح لأن المشهد الذي كان استثنائيًا أصبح أكثر حضورًا، ولأن المرأة التي كان عليها أن تثبت حقها في دخول الميدان.

أفرح لأنني أرى وجوهًا جديدة تحمل الطموح نفسه الذي حملته يومًا، لكن بفرص أوسع ومساحات أكبر. وأشعر بأن السنوات التي مضت لم تكن مجرد محطات مهنية في سيرتي، بل كانت جزءًا من تحول أوسع في الرياضة الخليجية، ومن رحلة أثبتت فيها المرأة أن حضورها لا ينتقص من أحد، بل يضيف إلى المشهد تنوعًا وخبرة وصوتًا جديدًا.

وحين أستعيد تلك اللحظة، لا أفكر في سبق صحافي حققته بقدر ما أفكر في المسافة التي قطعتها الفكرة، وفي كل امرأة وجدت بعدها فرصة لم تكن متاحة لها من قبل.

لقد تغير المشهد، وهذا مصدر فخر لنا جميعًا. والمملكة العربية السعودية، بما تشهده من توسع في القطاع الرياضي واستضافة البطولات الكبرى، تمنح الإعلام الرياضي النسائي فرصًا تستحق أن تستمر وتتسع، وأن تتحول إلى حضور ثابت في مختلف المنافسات المحلية والقارية والدولية.

لكن فرحتي بهذا التحول لا تجعلني أكتفي بالاحتفاء بما تحقق، بل تدفعني إلى التفكير في الخطوة المقبلة.

أريد أن أرى هذا المشهد يتكرر في كأس آسيا المقبلة، في يناير، في جدة.
ولا أقول ذلك لأنني أبحث عن استعادة تجربة عشتها، بل لأنني أعرف قيمة الفرصة حين تأتي، وأعرف أيضًا كيف يبدو الطريق قبل أن يصبح مفتوحًا أمام الآخرين.

بعد كل هذه السنوات، لم يعد حلمي أن أكون المرأة الوحيدة داخل الملعب، بل أن أرى كثيرات من النساء يعملن فيه، وأن يصبح وجودهن أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تبرير أو استثناء.

#تغريدة_أمل
عشت رحلة المرأة من استثناء في الملاعب إلى حضور يصنع المشهد الإعلامي. واليوم أرى هذا الحلم يتسع، لأن أجمل انتصار لرحلتنا أن يصبح الطريق أسهل لمن يأتين بعدنا.