خالد الشايع
معارك للبقاء: لماذا بات الدوري السعودي الأصعب
2026-10-28
لم يعد الأمر يتعلق بالتكتيك الكروي أو العبقرية الفنية داخل الملعب، بل باتت اللعبة في الدوري السعودي للمحترفين تتمحور حول مفهوم واحد فقط؛ وهو البقاء على قيد الحياة. الخيار الاستراتيجي الصادم الذي اتخذه الإيطالي سيموني إنزاغي، مدرب الهلال، بالتضحية بمواجهة الشمال القطري الآسيوية وإبقاء ركائزه الأساسية على مقاعد البدلاء، لم يكن مناورة تكتيكية بقدر ما كان صرخة استغاثة حقيقية لحماية أجساد لاعبيه المتهالكة من الإعياء البدني المفرط. يدرك إنزاغي تمامًا العبثية التنظيمية التي وصلت إليها البطولة القارية بنظامها الجديد، التي جعلت من الأول مثل الثامن، سواسية، حيث لم تعد الصدارة تضمن ميزة حقيقية في حسابات التأهل، والتاريخ القريب يذكرنا كيف أقصى السد المتأهل بشق الأنفس هلال الصدارة في الموسم الماضي. وما أقدم عليه المدرب الإيطالي ليس حالة فردية، بل هو الكتالوج الإجباري الذي سيسير عليه بقية مدربي الأندية السعودية، الذين تحولوا مجبرين إلى مديري أزمات يضحون ببعض المباريات لمجرد أن تجد أقدام نجومهم الأنفاس الكافية للركض في معارك الدوري المحلية.
اليوم، نحن لا نعيش النسخة الأصعب في تاريخ الدوري بسبب القوة الفنية الخارقة للمنافسين، بل بسبب روزنامة قاسية تطحن عضلات اللاعبين بلا رحمة؛ فخوض مباراة كل ثلاثة أو أربعة أيام بشكل متواصل هو ضرب من القسوة البدنية التي تفرض على الأجهزة الفنية آلية دفاعية تعتمد على التضحية المتعمدة ببعض المواجهات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سلامة اللاعبين. هذا الموسم بات يمثل التحدي الرياضي الأكبر في التاريخ، فهو ليس موسمًا كرويًا طبيعيًا، بل عبارة عن مواسم مصغرة ومجزأة داخل عام واحد، تحكمها مقصلة التوقفات المتعددة التي تدمر أي رتم أو استمرارية للفرق. فبينما التهم توقف كأس الخليج أكثر من ثلاثة أسابيع من عمر المنافسة، جاءت أجندة الفيفا في نوفمبر لتبعثر الأوراق مجددًا، متبوعة بتوقف ديسمبر الآسيوي، قبل الدخول في سبات شتوي قاتل يمتد لشهر ونصف بسبب كأس الأمم الآسيوية. وحتى حين يعود اللاعبون في فبراير، يصطدمون بجدول أكثر اختناقًا يتزامن مع شهر رمضان المبارك، وتليه عطلة قسرية أخرى في العشر الأواخر وحتى أيام العيد، أضف عليها وطأة المباريات المؤجلة التي حوّلت الملاعب إلى بيئة مؤذية للياقة البدنية ومنظومة تُهلك حماس النجوم.
هذا الاختناق المستمر يفرض على الأندية ومدربيها التخلي فورًا عن أساليب التدريب التقليدية والتحول نحو استراتيجيات تخطيط صارمة؛ فلم يعد إعداد اللاعبين مجرد مسألة تكتيكية، بل بات معركة علمية شاقة لإنقاذ أقدام النجوم من حتمية السقوط في فخ الإصابات. إن هذه الفترات الانتقالية الطويلة والتوقفات المتكررة تجبر الأجهزة الفنية على ابتكار أساليب استشفاء متطورة وحلول تدريبية غير مألوفة، ليس فقط لإبقاء اللاعبين في قمة مستواهم البدني، بل لحمايتهم من الاحتراق الذهني التام وفقدان الشغف داخل موسم يقضم فيه الضغط المتواصل من رصيد طاقتهم يومًا بعد آخر.