سعد المهدي
لماذا هاري كين وليس مبابي؟
2026-10-31
تحتاج جائزة الكرة الذهبية، وهي الجائزة السنوية التي تُقدِّمها مجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية لأفضل لاعب كرة قدمٍ في العالم، وجائزة «فيفا» للأفضل إلى فترةٍ ذهبيةٍ كتلك التي عاشتها مع أساطير الكرة في العالم، واستثمرت فيهم إلى حدٍّ لم تعد نتائجها في سنواتها العشر الأخيرة مقبولةً نتيجة حصرها في لاعبين، يتناوبون عليها دون استحقاقٍ إلا في نظر مصوِّتين لم تتجاوز قائمة صحافيين، أو مدربين دون ترجيح آرائهم بمعاييرَ أخرى تضبط زمام الجائزة، وتجعل الحصول عليها بلا ثغراتٍ!

فمنذ انطلاقتها «الكرة الذهبية» عام 1956، فاز الإنجليزي ستانلي ماثيوز بنسختها الأولى، وحتى عندما حُوِّلت من تكريمٍ لأفضل لاعبٍ أوروبي إلى أرفع الجوائز الفردية العالمية، ثم إلى حدثٍ إعلامي واقتصادي تتجاوز أهميته حدود المستطيل الأخضر. جاءت نسختها السبعين، التي استضافتها لندن نهاية أكتوبر الماضي، وتُوِّج بها الإنجليزي هاري كين، لتبعث من جديدٍ الشكوك حول إذا ما كانت مصادفةً أن يستعيد الإنجليز الجائزة التي بدأت بهم، وسُلِّمت في مدينةٍ إنجليزيةٍ «بلاكبول»، وهو ما يعني إن كانت ترتيبات الفوز بالجائزة تتقدَّم على الاستحقاق، أو على أقل تقديرٍ تُرجِّح الكفة؟

وإذا كان الاختيار تجاوز الفرنسي كيليان مبابي الذي في نظر الكثيرين يستحقها باعتبار «كين» امتلك ملفًا قويًّا بعدما سجل 73 هدفًا مع ناديه ومنتخب بلاده، وأسهم في بطولات بايرن ميونيخ، وهنا تظهر أهمية الإنجازات الجماعية إلى جانب الأداء الفردي، وهو أمرٌ يفترض أن يكون مقنعًا، لكن يجعل من المناسب التعرُّف على معايير أي جائزةٍ بشكلٍ مفصَّلٍ ودقيقٍ، وهو ما ينقص الغالبية العظمى من الإعلاميين والجمهور الكروي، ولا تهتم به جهات الجوائز كيلا يفقدوا الجدل والضجيج المطلوب حولها.

أمَّا النجم يامال، فهل كان منحه جائزة اللاعب الواعد وسيلةً لادخاره واستثماره في سباق الكرة الذهبية مستقبلًا؟ مع أن هذا ما يوحي به المشهد، لكن نتائج السباق النهائية أظهرته متأخرًا عن كين ومبابي كثيرًا، ما يعني أنه نافس على الجائزة الكبرى بالفعل. لكن تكرار تكريمه للشباب يطرح تساؤلًا حول دور الاعتبارات التسويقية في صناعة النجوم، وكم نسبتها وقدرة هذه النسبة على تغيير النتائج.

المعايير الرسمية تمنح الأولوية للأداء الفردي، ثم الإنجازات الجماعية، وأخيرًا السلوك والروح الرياضية، وهذا يعني أن التقييم لا يعتمد على المهارة الفنية وحدها، بل ويتضمَّن أيضًا جوانبَ تقديريةً، تترك مساحةً لاختلاف المصوِّتين، ولا يمنع دور الاقتصاد، إذ لم تعد الجائزة مجرد كرةٍ مذهبةٍ، ومنصةٍ للتتويج، فهناك حقوقٌ تجاريةٌ، ورعايةٌ، وبثٌّ، وإعلاناتٌ، وحضورٌ إعلامي، فضلًا عن منافعَ غير مباشرةٍ للفنادق والسياحة والمدينة المستضيفة، وارتفاع القيمة التسويقية للاعبين والأندية. ولا ننسى أن الاتحاد الأوروبي وأيضًا «فيفا» يتوليان في جائزتيهما تسويق الحقوق التجارية العالمية ضمن الشراكة مع الجهات المالكة للعلامة.

ما أستغربه أنه، وعلى الرغم من أننا في عالمنا العربي نحاول دائمًا تقليد الغرب المتقدم في الرياضات، وهذا ليس عيبًا، لكننا لا نختار ما نُقلِّدهم فيهم بعنايةٍ، تؤدي لملاحقتهم في التخطيط والتطوير والدعم والتحفيز، فكل هذه تبقى جامدةً وغير ذات معنى ما لم يتم تفعيلها، وقبلها التمهيد للتفاعل معها، وتأمين متطلباتها من أفكارٍ وكوادرَ بشرية، ومناخاتٍ صحيةٍ للعمل والتنفيذ، وموارد مالية ولوجستية، وبطريقة مستدامة تضمن تثبيت المكاسب وتراكمها، بالتالي تعاظمها إلى أن تقارب، أو تتجاوز بها نظراءها في العالم من كياناتٍ ومؤسساتٍ رياضيةٍ وإعلاميةٍ وتجارية.