خالد الربيعان
غرائب
2026-11-01
لم تعد الاستثمارات الرياضية محصورة في شراء الأندية، والتعاقد مع النجوم، وبناء الملاعب، والحصول على حقوق الرعاية والنقل التلفزيوني. فصناعة الرياضة أصبحت أكثر اتساعًا وابتكارًا، إلى درجة أن بعض الأفكار التي تبدو غريبة أو بعيدة عن كرة القدم تحولت إلى نماذج استثمارية تحقق عوائد اقتصادية وتسويقية كبيرة.
المثير في هذه التجارب أن أصحابها لم ينظروا إلى النادي باعتباره فريقًا ينافس داخل الملعب فقط، بل بوصفه علامة تجارية ومنصة ترفيهية واقتصادية يمكن استثمار كل تفاصيلها.
تجربة نادي ريكسهام الويلزي، الذي استحوذ عليه الممثلان رايان رينولدز وروب ماكلهيني عام 2021. لم يكن الرهان على نتائج الفريق وحدها، بل على تحويل قصة النادي وجماهيره ومدينته إلى مسلسل وثائقي بعنوان Welcome to Wrexham، أصبح منتجًا إعلاميًا عالميًا، وأسهم في تعزيز شعبية النادي وإيراداته التجارية. تجربة تؤكد أن قصة النادي قد تتحول إلى أصل استثماري لا يقل أهمية عن حقوق البث أو الرعاية.
وفي إيطاليا، يقدم نادي فينيتسيا نموذجًا مختلفًا، بعدما نجح في تحويل قمصانه وهويته البصرية إلى منتجات مرغوبة في عالم الأزياء، حتى أصبح هناك من يشتري قميص النادي لجمال تصميمه دون أن يكون بالضرورة من متابعي كرة القدم. هنا لا يبيع النادي قميصًا رياضيًا فقط، بل يبيع هوية وثقافة وانتماءً بصريًا يمكن تسويقه خارج حدود جماهيره التقليدية.
أما نادي برينتفورد الإنجليزي، فقد اختار طريقًا مختلفًا بالاعتماد على البيانات والتحليل الإحصائي لاكتشاف اللاعبين الأقل تكلفة والأعلى قابلية للتطور، ثم الاستفادة من ارتفاع قيمتهم الفنية والسوقية. نموذج يجعل التعاقد مع اللاعب استثمارًا طويل الأجل، وليس مجرد تكلفة رياضية.
وهناك أيضًا تجربة الرموز الرقمية للجماهير التي تبنتها أندية أوروبية مثل باريس سان جيرمان، بهدف تعزيز تفاعل المشجعين ومنحهم امتيازات ومشاركة في بعض الاختيارات المحددة، وتحويل العلاقة بين النادي وجماهيره إلى منتج تجاري ورقمي.
هذه التجارب تفتح الباب أمام سؤال مهم حول مدى إمكانية تطبيقها في الدوري السعودي، الذي يمتلك اليوم مقومات جماهيرية وإعلامية واستثمارية كبيرة، لكنه لا يزال أمام فرص واسعة لتنويع مصادر دخل الأندية.
يمكن للأندية السعودية إنتاج وثائقيات عالمية عن تاريخها ونجومها وجماهيرها، وإطلاق خطوط أزياء بالتعاون مع مصممين وعلامات تجارية محلية، وتطوير برامج عضوية رقمية تمنح المشجع امتيازات حقيقية، إضافة إلى استثمار الملاعب ومرافقها طوال أيام الأسبوع، بدلًا من اقتصار دورها على استضافة المباريات.
كما أن الاستثمار في البيانات والمواهب الشابة يجب أن يتحول إلى جزء أساسي من استراتيجية الأندية، بما يحقق عائدًا فنيًا وتجاريًا مستدامًا.
المهم ألا نتعامل مع هذه النماذج باعتبارها أفكارًا غريبة تستحق التقليد لمجرد نجاحها في الخارج، بل أن ندرس جدواها ومدى ملاءمتها للسوق السعودي وسلوك الجماهير.
فالدوري السعودي يمتلك فرصة للانتقال من مرحلة استقطاب النجوم وصناعة الحدث إلى مرحلة ابتكار نماذج استثمارية جديدة. والنجاح في صناعة الرياضة لا يقاس فقط بما ننفقه داخل المستطيل الأخضر، وإنما بما نستطيع بناءه حوله من اقتصاد وفرص وأصول تجارية.
أخيرًا الاستثمار الرياضي الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن المباراة ليست المنتج الوحيد الذي يمكن بيعه، وأن هناك ثروة اقتصادية كاملة تنتظر من يكتشفها خارج المستطيل الأخضر.