أحمد الحامد⁩
دون أن نشعر!
2026-11-02
في أواخر الثمانينيات كنت وأخي نستمع لنتائج الانتخابات الأمريكية عبر الإذاعة، والتي فاز بها جورج بوش، وبالأمس كنت أستمع وعبر الإذاعة لنتائج الانتخابات الأمريكية النصفية، ومن الثمانينيات إلى اليوم كانت كل نتائج الانتخابات الأمريكية عندي عبارة عن سهرة تلفزيونية، ويتابعها معي الملايين خارج الولايات المتحدة الأمريكية. اليوم تساءلت: لماذا أتابع شأن لا علاقة لي فيه؟ لماذا أحسب عدد الولايات التي فاز بها الجمهوريون، وكم يحتاج الديموقراطيون ليبقوا في المنافسة؟ لماذا لم أعطِ الوقت لمشاهدة نتائج الانتخابات الأمريكية لفيلم أستمتع به، أو لرواية شيقة، أو أي شيء آخر أستفيد أنا منه، بدلًا من الاهتمام بشيء يبعد عني آلاف الكيلو مترات. أعتقد أن من يتابعون الانتخابات في أمريكا وبريطانيا تحديدًا متأثرين بقوة الإعلام الأمريكي والبريطاني، بدليل أننا لا نتابع الانتخابات الألمانية؟ لأن الإعلام الألماني لا يؤثر كما يفعل الإعلام الأمريكي والبريطاني. قد يقول أحد إن الملايين حول العالم يتابعون الانتخابات الأمريكية لأنها الدولة الأقوى اقتصاديًا وعسكريًا، وهذا صحيح، لكن السؤال: ما علاقتي أنا وأمثالي بهذه الانتخابات؟ وأعود للإجابة التي ذكرتها: إنه تأثير قوة الإعلام. ولو انتبهنا لبعض سلوكنا لوجدنا أننا لم نختر هذا السلوك إنما الإعلام هو من قادنا إليه، يشتري بعض أصدقائي عطورًا لم يجربوها لأن أحد المشاهير أقسم في السوشال ميديا: أوووه والله عطر خيالي ! مع أن المسألة ذوقية وتختلف من شخص لآخر، ويقف الناس بالطوابير لتجربة مطعم لأن هناك وعبر السوشال ميديا من قالوا: هذا أحلى أكل جربته في 2026!، لا العطر كان سيباع دون تجربة، ولا الطوابير ستمتد طويلًا إلى بوابة المطعم لولا هذا التأثير، والذي قادنا إلى سلوك اعتقدنا أننا اخترناه بقناعة بينما كنا ننقاد بسببه. قبل شهر طلبت سيارة أوبر، كانت سيارة جديدة فباركت لصاحبها ودعوت له الله أن يعطيه خيرها ويكفيه شرها، وسألته: كيف أداؤها؟ فأجاب: لم يعجبني كثيرًا، اشتريتها لأني شاهدت الكثير من الإعلانات ومديح المؤثرين لها. صاحبنا هذا في حقيقته لم يختر بإرادته، هو كان يعتقد بأنه يختار سيارته بينما اختيرت له. حدث معي نفس الأمر عندما اشتريت هاتفًا سمعت أكثر من مشهور يمدحه، وعندما شاهدته في أحد المحلات وجدت نفسي أشتريه، وعندما عدت وقابلت أحد الأصدقاء قلت: اشتريت هذا الجوال، بينما كان من المفترض أن أقول له «واقعيًا»: خلُوني اشتري هذا الجوال!. للكاتب الأمريكي والتر ليبمان مقولة عن تأثير الإعلام في صناعة الصورة للأشياء: «الصور التي نحملها في رؤوسنا هي التي تحكم سلوكنا، لا العالم كما هو في الواقع».