2025-04-05 | 01:08 مقالات

بطولة العالم لألعاب القوى - نانجينج 2025

مشاركة الخبر      

أُقيمت بطولة العالم لألعاب القوى داخل الصالات المغلقة لعام 2025 في مدينة نانجينج الصينية، من 21 إلى 23 مارس الماضي، بمشاركة 576 رياضيًّا من 127 دولةً. تنافس الرياضيون على مدى ثلاثة أيامٍ في 26 فعاليةً وسط أجواءٍ حماسيةٍ، ومتابعةٍ جماهيريةٍ وإعلاميةٍ واسعةٍ.

وشهدت البطولة حضورًا نوعيًّا، وإنجازاتٍ متفاوتةً لبعض الدول العربية والإسلامية، بحضور عددٍ من الرياضيين العرب والمسلمين الذين تمكَّنوا من التأهل عبر تحقيق الأرقام التأهيلية الرسمية المعتمدة من الاتحاد الدولي لألعاب القوى «World Athletics»، أو عبر التصنيف العالمي الذي يعتمد على نتائج البطولات القارية والوطنية خلال العامين الماضيين. ومن أبرز المشاركين:
• المصرية بسنت حميدة، وتأهلت عبر تحقيقها الحد الأدنى التأهيلي في بطولة إفريقيا لألعاب القوى. وشاركت في سباق 400 متر، وسجلت 52.62 ثانية، لكنها لم تتأهل لنصف النهائي.
• العماني علي أنور البلوشي، وتأهل من خلال تصنيفه القاري ضمن أفضل عدائي السرعة في آسيا، وشارك في سباق 60 مترًا، وسجل 6.61 ثانية في نصف النهائي، دون التأهل للنهائي.
• الكويتي يعقوب اليوحة، حامل ذهبية آسيا في سباق 110 أمتار حواجز، وتأهل إلى بطولة العالم بعد تحقيقه الحد الأدنى في موسم 2024، وشارك في سباق 60 مترًا حواجز بزمن 8.50 ثانية.

وتضمَّنت البطولة أيضًا حضور رياضيين من أصولٍ عربيةٍ، يمثلون منتخباتٍ أوروبية وأجنبية، منهم العداء البرتغالي إسحاق نادر Isaac Nader، وهو عداءٌ بارزٌ في سباقات 1500 و3000 متر، من أبٍ مغربي، وأمٍّ برتغالية. شارك في نانجينج ضمن الفريق البرتغالي، ويحمل الرقم القياسي الوطني للبرتغال داخل الصالات «3:32.59 دقيقة في سباق 1500 متر». وغالبًا ما تأتي هذه المشاركات نتيجةً للهجرة، أو الجنسية المزدوجة، إضافةً إلى الدعم المؤسسي في الدول الأوروبية، ما يتيح لهؤلاء الرياضيين فرصًا أكبر للتألق عالميًّا.

وعلى الرغم من إحراز البطل السعودي ماجد بن غازي محمد الميدالية الذهبية في منافسات الوثب الثلاثي بقفزةٍ بلغت 14.75 متر متفوقًا على منافسيه في بطولة العالم للصالات المغلقة ـ فلوريدا 2025 إلا أن الغياب السعودي عن البطولة المغلقة الأهم في نانجينج أمرٌ يثير القلق، خاصَّةً أن مستوى الدعم المرصود للمؤسسة الرياضية لا يبرِّر مثل هذا الغياب! في ظل تأهل لاعبي دولٍ عربيةٍ وخليجيةٍ أخرى بدعمٍ لا يقارن بالدعم التاريخي الذي تقدمه الدولة للرياضة بكل تأكيدٍ!

وللعلم، فبطولة العالم لألعاب القوى داخل الصالات ـ نانجينج 2025، التي تزامنت تقريبًا مع بطولة العالم للصالات المغلقة ـ فلوريدا 2025، بينهما فوارقُ مهمةٌ، تستحق التوضيح:
• بطولة نانجينج: هي نسخة البطولة الرسمية العالمية الوحيدة «داخل الصالات المغلقة» تحت مظلة الاتحاد الدولي لألعاب القوى «World Athletics» حيث يتأهل إليها الرياضيون عبر معاييرَ دوليةٍ صارمةٍ.
• أمَّا بطولة فلوريدا، فهي بطولةٌ مستقلةٌ، تُنظَّم غالبًا من جهاتٍ محليةٍ، أو خاصَّةٍ، وتُعرف أحيانًا ببطولة العالم للماسترز، أو الفئات العمرية، وتكون مفتوحة المشاركة عبر التسجيل، أو بدعواتٍ، ويشارك بها أيضاً كثيرٌ من اللاعبين الكبار في السن نوعًا ما.

في عالم الرياضة المتنوع والمزدحم، تحتفظ ألعاب القوى بمكانةٍ استثنائيةٍ، لا ينافسها فيها أي رياضةٍ أخرى، حتى إنها تُعرف عالميًّا بـ «أم الألعاب»، وذلك لما تمثِّله من جوهرٍ وبدايةٍ لكل رياضةٍ إنسانيةٍ. هذه الرياضة، التي تتجسَّد في الجري، القفز، والرمي، تمثِّل الصورة الأكثر نقاءً للمنافسة البدنية، وهي العمود الفقري للألعاب الأولمبية، والمقياس الحقيقي لقدرات الإنسان الفسيولوجية والنفسية «وقد أضيف لها الجمباز أيضًا».

ألعاب القوى هي أكثر الرياضات ارتباطًا بالفطرة البشرية، إذ تتكوَّن من حركاتٍ أساسيةٍ، يمارسها الإنسان منذ فجر التاريخ: الجري، الوثب، والرمي، لذا تُعدُّ حجر الأساس في أي إعدادٍ رياضي، وتُستخدم تدريباتها في معظم الرياضات الأخرى لتطوير الأداء العام.

ومنذ انطلاقة الألعاب الأولمبية الحديثة عام 1896، كانت ألعاب القوى حاضرةً بقوةً، ولا تزال اليوم تُشكِّل الركيزة الأساسية في جدول المسابقات الأولمبية، فسباقاتٌ مثل 100 متر عدو، والماراثون، تستقطب ملايين المشاهدين حول العالم، وتُعدُّ ذروة الإثارة في كل دورةٍ أولمبيةٍ.

ومن أهم نقاط قوة ألعاب القوى أنها رياضةٌ لا تحتاج إلى تجهيزاتٍ معقَّدةٍ، ويمكن ممارستها في أي مكانٍ، وفي أي بيئةٍ، لذا تنتشر من أمريكا إلى إفريقيا، ومن آسيا إلى أوروبا. ويمارسها الرجال والنساء، الأطفال والمخضرمون، والرياضيون من ذوي الإعاقة أيضًا، ما يمنحها بُعدًا عالميًّا وشموليًّا فريدًا.

بل ومن ألعاب القوى تُستمد كثيرٌ من الفحوصات والاختبارات التي تستخدم في قياس اللياقة البدنية في مختلف المجالات:
• المدارس.
• الأكاديميات العسكرية.
• برامج التدريب الرياضي.
• الطب الرياضي.

سواء كان الأمر يتعلق بقدرة التحمُّل، أو السرعة، أو المرونة، فإن ألعاب القوى تُعدُّ المرآة الأدق لمستوى اللياقة العامة. وأنجبت ألعاب القوى رموزًا عالميةً، خلَّدهم التاريخ مثل:
• أوسين بولت «جامايكا» ـ أسرع رجلٍ في التاريخ.
• هشام الكروج «المغرب» ـ أسطورة المسافات المتوسطة.
• فلورنس جريفيث جوينر «أمريكا» ـ أسرع امرأةٍ في التاريخ.
• كارل لويس «أمريكا» ـ أحد أعظم الرياضيين الأولمبيين.
وهؤلاء أصبحوا قدواتٍ، ليس فقط في الرياضة، بل وفي الإلهام والتحدي والعزيمة أيضًا.

ولا نغفل أن ألعاب القوى لا تعتمد على حكمٍ يقيِّم الأداء بشكلٍ تقديري، ولا على الحظ والعشوائية على الإطلاق، حيث إن النتيجة تُحسم بالجزء من الثانية، أو بالسنتيمتر، بل وبالمليمتر، لذا هي رياضة الوضوح الكامل والعدالة المطلقة.

وللعلم، الرياضي المتمكِّن في كثيرٍ من ألعاب القوى، ويمتلك أساسًا قويًّا، يمكنه التحوُّل إلى رياضاتٍ أخرى بسهولةٍ، مثل:
• كرة القدم.
• كرة السلة.
• التنس.
• الرجبي.
لأن المهارات الأساسية، مثل السرعة والانفجار العضلي والتوازن، موجودةٌ أصلًا لديه، وقد شهدنا ذلك في كثيرٍ من النجوم المحليين والعالميين.

عليه، غيابنا عن مثل هذه البطولات العالمية، لا يعكس الاهتمام الذي تشهده المرحلة، ولا بد من أسبابٍ، يجدر الانتباه لها، ولا بد من خطةٍ استراتيجيةٍ، يجدر إعلانها للجمهور الرياضي المتابع، فألعاب القوى ليست مجرد رياضةٍ ضمن قائمة الألعاب، بل هي الروح الأصلية للحركة الرياضية. فيها يتواجه الإنسان مع حدود قدراته دون وسيطٍ، ودون مساعدةٍ. كل خطوةٍ، كل قفزةٍ، كل رميةٍ… تعكس قصة إرادةٍ وجهدٍ وتحدٍّ. إنها الرياضة التي تختصر سؤالًا إنسانيًّا خالدًا:
«إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يذهب؟».

في المملكة، نشهد تقدمًا تاريخيًّا في البنية التحتية الرياضية، وإطلاق دورة الألعاب السعودية منذ 2022، التي من المفترض أنها تهدف لاكتشاف المواهب وصقلها، لا يبرر غياب الرياضيين السعوديين عن هذا المحفل العالمي، بالتالي، هذا الغياب يثير تساؤلاتٍ حول مدى فاعلية البرامج التأهيلية المحلية، وقدرة الأكاديميات والبطولات الوطنية على إعداد رياضيين قادرين على المنافسة عالميًّا، بل ومدى توظيف دورة الألعاب السعودية لصقل وتأهيل أبطالنا وبطلاتنا لمثل هذه الأحداث العالمية.

بطولة نانجينج 2025 هي واحدةٌ من البطولات العالمية لألعاب القوى، لكنها لم تكن مجرد منافسةٍ رياضيةٍ عابرةٍ، إنها مرآةٌ، عكست واقع تطور الرياضة في العالم العربي من عدمه. والمشاركة النوعية من بعض الدول، مقابل الغياب اللافت لدولٍ أخرى، تؤكد أن الاستثمار في البنية التحتية وحده لا يكفي، بل لا بد من التركيز على العنصر البشري، واكتشاف المواهب، وتأهيلها علميًّا وبدنيًّا ونفسيًّا للمنافسة على الساحة الدولية، والتأكد من وجود قياداتٍ إداريةٍ وفنيةٍ خبيرةٍ في المجال، ومتحملةٍ لمسؤولية النتائج المبنية على خططٍ واستراتيجياتٍ معلنةٍ بمؤتمراتٍ صحافيةٍ رسميةٍ.