> مقالات

فهد عافت
حقوق المُذنِب وحقوق المُبدِع!
2019-09-30



ـ المدنيّة مسألة سياسيّة، بينما الحضارة مسألة ثقافية!. على هذا النحو أفهم الأمر، وبناءً عليه أُفرّق!. مع الإقرار بتداخلهما، وصعوبة أن يتقدّم أحدهما مُفلِتًا يد الآخر!.
ـ المدنيّة مسألة سياسيّة، لأنها قانونيّة!. ولأنها قانونيّة، فهي مسألة وسائل!.
ـ في كل الأديان، السماوية منها وغير السماويّة، كما في كل الأعراف عبر كل الأزمنة، دائمًا ما تبدو الغايات خيّرة، تهدف إلى الأمن وتطلب العدل وتريد التعمير!.
ـ الغايات الطيبة هذه موجودة، تكاد تكون بحذافيرها، عند أكثر الشعوب تقدمًا مثلما هي عند أكثر المجتمعات بدائية!. الفرْق مكمنهُ الوسائل!.
ـ كل تقدّم مَدَني يعني: قلّة الّلبْس، قدر الإمكان، بين الوسائل والغايات!. وبما أن الغايات تكاد تكون ثابتة في علوّها، فإن المدنيّة تُقاس بقدرة القوانين على الارتفاع والسموّ نحوها، بما يضمن تحقيق تلك الغايات!.
ـ يمكن لي تقديم هذه الصورة لقياس التقدّم المدني في أي دولة: حقوق المُذْنِب!.
ـ حقّ الإنسان في ألا يُتّهم قانونيًّا كيفما اتفق، وحقّه في أن يتمتّع بأعلى قدر من وسائل الدفاع حين يكون متّهمًا، وما يلي ذلك من حقوق "قانونيّة معتمدة" للمحافظة على كرامته وإنسانيّته حتى بعد ثبوت التهمة وصدور الحكم القضائي ضدّه: على قدر سلامة الوسائل وصلابتها قانونيًّا وتنفيذها واقعيًّا، يمكن قياس المدنيّة!.
ـ يمكن رؤية ملامح المدنيّة في الشارع ومكاتب العمل، لكنها حين تريد الكشف عن وجهها الحقيقي، عن نفسها بالكامل، فإنها لا تفعل ذلك على أتمّ صورة في غير مراكز الشرطة وقاعات المحاكم والسجون!.
ـ نأتي الآن على مسألة الحضارة، والتي أفهمها على أنها محصلة التطوّر والحراك العلمي والأدبي والفلسفي والجمالي والنقدي. إنها زرع وحصاد الثقافة، وهي كذلك ما بين الزرع والحصاد من صبر وحلم ومواويل!.
ـ من الفروقات التي يمكن ذكرها للتمييز بين الحضارة والثقافة أنّ: الثقافة فرديّة بينما الحضارة جماعيّة!.
ـ يمكن لي تقديم هذه الصورة لقياس التقدّم الحضاري في أي مجتمع: حقوق المُبدع!.
ـ لا يمكن لحضارة أن تَثْبُت دون ثقافة تتغيّر!. ولا يمكن لثقافة أن تتغيّر دون أن تتحرّك!.
ـ ولا يُمكن لحركة بشريّة أن تستقيم على طول الخط: الخطأ والميل والتقوّس والاعوجاج والانعطاف والتعثّر والوقوع والنهوض، كل هذه الأمور من حالات الحركة ومن خصائص وجودها!.
ـ وإنما تُقاس حضارة الأمم، بمقدار التسامح العاطفي والقانوني، الشعبي والقضائي، مع مثل هذه التحوّلات في أشكال الحركة!.
ـ لا يكفي تقدير أهل الفكر والإبداع، متى ما أنجزوا ما يراه المجتمع متفوّقًا جماليًّا أو صالحًا أخلاقيًّا، أو متماشيًا مع المعتقدات العامّة!.
ـ التسامح مع هفواتهم، مع ما نظنه هفوات وخطأ، مع ما لا يتوافق بالضرورة مع مفاهيمنا وأهوائنا، قبول وجودها والتعامل معها بعقلانية تسمح بالتعايش الآمن، قبولها بوجدان لا ينفي ولا يُقصي، بضمير لا يطمع بالتصيّد والمحاسبة وإصدار أحكام قطعيّة، وبلسان يعفّ، هذه فيما أظن أمور أكثر دلالة على السير الحضاري وأوجب!.