خالد الربيعان
رونالدو vs النصر
2026-11-08
هناك صفقات في كرة القدم لا يمكن قياس قيمتها بعدد الأهداف أو البطولات، بل بحجم الفارق الذي تصنعه بين اللاعب والنادي الذي ينتقل إليه. وصفقة كريستيانو رونالدو مع النصر واحدة من أبرز هذه الحالات، فالمقارنة بين جماهيرية الطرفين تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: رونالدو أكبر من النصر بمراحل، ليس فنيًا فقط، بل جماهيريًا وإعلاميًا وتسويقيًا، إلى درجة أن النادي يبدو صغيرًا أمام حجم النجم الذي يرتدي قميصه.
قبل ديسمبر 2022، لم يكن النصر اسمًا حاضرًا في المشهد الكروي العالمي، ولم تكن جماهيريته الدولية تقترب من أندية الصف الأول في أوروبا، بل إن كثيرًا من متابعي كرة القدم خارج المنطقة لم يكونوا يعرفون عنه سوى اسمه وبعض المعلومات المحدودة. ثم جاء رونالدو، فتحول النادي خلال أيام إلى حديث العالم، وقفز عدد متابعي حسابه في إنستجرام من نحو 830 ألفًا إلى أكثر من 11 مليونًا خلال أقل من أسبوعين. لم يكن هذا النمو نتيجة بطولة حققها النصر أو إنجاز صنعته إدارته، بل نتيجة اسم واحد اسمه كريستيانو رونالدو.
اليوم، يمتلك رونالدو قرابة 680 مليون متابع على إنستجرام وحده، فضلًا عن حضوره الهائل في بقية المنصات، بينما تظل جماهيرية النصر الرقمية بعيدة تمامًا عن هذه الأرقام. والمفارقة أن جزءًا كبيرًا من الجمهور الذي يتابع النصر عالميًا لا يتابع النادي بقدر ما يتابع رونالدو، فلو ارتدى قميص نادٍ آخر غدًا، فإن شريحة واسعة من هذا الجمهور ستنتقل معه دون تردد. هنا تتضح حقيقة العلاقة: النصر استفاد من جماهيرية رونالدو أكثر بكثير مما أضاف إلى جماهيرية رونالدو.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه الشهرة العالمية لم تقابلها، حتى الآن، نتائج تجارية ومالية تعكس حجم الفرصة. فالنادي الذي حصل على اهتمام إعلامي عالمي، وفتح له رونالدو أبوابًا لم تكن متاحة من قبل، لا يزال يواجه تحديات مالية وإدارية كبيرة. وقد كشفت تقارير عن وصول ديونه إلى أكثر من 800 مليون ريال في عام 2026، بعد أن أظهرت بياناته المالية لعام 2023ـ2024 عجزًا بلغ 39 مليون ريال، حيث تجاوزت المصروفات الإيرادات. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا عن كفاءة الإدارة في تحويل الشهرة إلى إيرادات مستدامة، وعن أسباب عدم استثمار هذا الحضور العالمي بالشكل الذي يليق بحجم الفرصة.
أما رونالدو، فهو لا يحصل على مجرد راتب لاعب كرة قدم، بل يستفيد من عقد استثنائي ومكانة تجارية عالمية، فيما يحصل النصر على قيمة إعلامية وجماهيرية هائلة بفضل وجوده. لكن أين العائد التجاري المستدام الذي يفترض أن يبقى للنادي؟ وأين المنتجات العالمية، والانتشار الحقيقي في الأسواق، والشراكات التجارية التي تحول ملايين المتابعين إلى مصادر دخل؟ لا يكفي أن تتصدر اسميًا المشهد العالمي إذا كانت الإدارة عاجزة عن تحويل هذا الحضور إلى نموذج اقتصادي ناجح.
المشكلة ليست في رونالدو، ولا في حجم ما يحصل عليه مقابل قيمته العالمية، فهذه طبيعة سوق النجوم الكبار، وإنما في نادٍ يمتلك فرصة تاريخية بوجود أحد أكثر الرياضيين شهرة في العالم، ثم يجد نفسه أمام تحديات مالية وإدارية تثير تساؤلات عن الاحترافية والتخطيط. فالنجم العالمي لا يستطيع وحده أن يبني مؤسسة، ولا يمكن أن تتحول جماهيريته تلقائيًا إلى إيرادات للنادي من دون إدارة تعرف كيف تستثمرها.
في النهاية، قد يكون النصر قد تعاقد مع أكبر اسم في تاريخ الدوري السعودي من حيث الانتشار العالمي، لكنه لم يثبت بعد أنه يمتلك مؤسسة قادرة على استثمار حجم هذا الاسم. رونالدو منح النصر شهرة عالمية لم يكن ليصل إليها بهذه السرعة، لكن النصر لم ينجح حتى الآن في إثبات أنه أكبر من مجرد نادٍ يستمد حضوره العالمي من لاعب واحد. وهذه هي المفارقة الحقيقية في واحدة من أشهر صفقات كرة القدم الحديثة.