> مقالات

مرة أخرى.. خسروا بشرف
صالح الخليف |
2018-07-09



مرة أخرى أعود دفاعًا عن الخسارة.. أعود من باب كثر الطق يفك الحديد.. ولعل هذا الطق يؤتي ثماره ونتائجه.. قلت فيما مضى إن التعاطي مع مصطلح الخسارة بشرف يفترض أن يكون اعتيادياً وطبيعياً، وليس هناك أي شيء يستدعي أن ينقسم الإخوة الرياضيون إلى معسكرين وفسطاطين وحزبين متنافرين..

أصحاب الرأي الأول والمتشدد الذي أقف معترضاً كل ما يقول يرفض ربط الخسارة بالشرف؛ كون الخسارة واحدة وتشبه الموت تماماً، وبهذا لم أجد أفضل وأعمق وأجزل وأوضح من بيت أبي الطيب المتنبي ـ رحمه الله ـ رداً عليهم لأوصد الأبواب في وجوههم المكفهرة.. كان المتنبي يقول عن الموت وأظنه أيضاً يقصد الخسارة بشرف: "وإذا لم يكن من الموت بد.. فمن العار أن تموت جباناً".. وأظن هذا يكفي ويفيض لمجابهة كل مناوئي الكلمة الناعمة البريئة "الخسارة بشرف"..

أما المؤيدون والمصطفون بجانبها ومعها ووراء جدرانها؛ فإنني فقط أعيدهم سريعاً لأجواء كأس العالم التي ما زالت رحى معاركها دائرة في أقاصي القارة الأوروبية.. كسبت روسيا إسبانيا في واحدة من أقوى مفاجآت المونديال، وعبرت دور الستة عشر في وقت كان الكثيرون لا يراهنون على صعودها حتى من دور المجموعات، وحينما وصلت إلى الثمانية وجدت كرواتيا تنتظرها متحفزة لإحباط أي مفاجأة جديدة ولعب الروس ووراءهم عشرات الآلاف من المشجعين في المدرجات يشحذون همم اللاعبين الذين تحولوا إلى مقاتلين وأجبروا كرواتيا على الاحتكام لضربات الحظ والترجيح، وخسر الروس الحلم الكبير بضربة واحدة..

في اليوم التالي خرجت موسكو عن بكرة أبيها تحتفي برجال الإنجاز ووصفت الصحافة هناك اللاعبين بأبطال القلوب، وفي باحة الحرم الجامعي أقيم مهرجان احتفالي صاخب رقص على ضفافه اللاعبون ومدربهم وكأنهم جاؤوا بشيء لم يأت به أحد قبلهم من العالمين، رغم أنهم البارحة كانوا يذرفون دموع الخسارة والحسرة والخيبة على أرض الملعب.. إنها صورة حية وواقعية لمعنى الخسارة بشرف.. وأعتقد أن الروس لا يعرفون المتنبي ولم يسبق لهم الاطلاع على ذاك البيت القصائدي الخالد، بل إن روسيا كما يقول تاريخها لا تحب الشعر وتمقت الشعراء، لكنها جاءت من بعيد لتؤيد معنى أن يخسر الإنسان بشرف وجدارة واستحقاق..

الخسارة بشرف تعني أنك بذلت جهداً وعطاءً وقدمت كل ما لديك، لكن الظروف ولعبة كرة القدم ولعبة الزمن انتصرت عليك.. بالفعل خسرت ولم تنتصر، لكنك حملت معك شرف التحدي وهذا يكفي..!!