> مقالات

أحمد الحامد⁩
أفضل الأصدقاء
أحمد الحامد⁩ |
2018-09-15



قرأت عن أحيحة بن الجلاح، عُرِفَ بأنه من دهاة العرب وشجعانهم، وكان شاعرًا كبيرًا، وذا مال كثير، لكنه في الوقت ذاته كان رجلًا كريمًا جدًّا، وماله وكرمه، جعلا الناس تحيط به، بعضهم قدَّم نفسه له صديقًا حتى أحاطت به مجموعة من الأسماء مستفيدةً من ثروته ومن كرمه.

ولأن الدنيا متقلِّبة كالسنة بالمواسم، انقلبت عليه، فأبدلته من ثري إلى رجل أشبه بالفقير. أول مَن قفز من مركبه أصدقاؤه، هكذا رأوه مركبًا يغرق، فابتعدوا عنه وهجروه. كان أحيحة يظن بأنه قد استثمر في أصدقائه، كما كان يظن، وعندما احتاج إلى مبلغ صغير، رفضوا أن يعطوه، متذرعين بأعذار مختلفة. بعض البشر مَهرةٌ جدًّا في اختلاق أعذار الهروب، لهم طرقهم التي يجهلها الكرماء. مرَّت على أحيحة أيام شديدة، ككل الأيام التي تمر على الرجل الكريم، فالكريم الذي لا يملك المال، يعيش قهرًا لا يخبره إلا الذين جُبلوا على الكرم، لكنهم لا يملكون ما يقدمونه، فينخفض صوتهم، وتهدأ حركتهم، ويصبحون أقرب إلى المتفرج الأخرس، لكنَّ الحياة كانت وما زالت تقول: إن ما تعطيه ستأخذه بشكل من الأشكال، قد يكون مالًا، وقد يكون احترامًا وتقديرًا إذا ما أعطيت العطاء، وقد يكون سوءًا إذا ما أعطيت سوءًا. ورث أحيحة مالًا وأرضًا في الزوراء، وعندما سمع أصدقاء المركب، جاؤوا إليه مهللين، هكذا هم كما اعتذروا عن مساعدته، ونسيان ما أعطاه لهم، سيأتون بأعذارهم، وما أعذارهم؟ هم يعرفون اختلاقها، هم متخصصون في صناعة الهروب والصعود، لكنَّ أحيحة كان أعقل من أن تخدعه الكلمات، والقصائد والدموع، وهو الذي اختبر القهر، واختبر أصناف الرجال، فأنشد يقول:
إني مقيم على الزوراء أعمرها
إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
فلا يغرنك ذو قربى وذو نسب
من ابن عم ومن عم ومن خال
كل النداء إذا ناديت يخذلني
إلا ندائي إذا ناديت يا مالي.

ليس أحيحة فقط مرَّ بهذه التجربة، الحياة تحكي لنا القصص، بعضكم مرَّ بها، وبعضكم ستخبره الأيام عنها. ما أجمل الأصدقاء، لكن احذر ألَّا يرافقك صديقك الوفي: المال.

هذا الصديق أجمل ميزاته أنه يبعدك عن كل لئيم، ولا يُنزلك منزلًا لا يليق بك، لا من حيث الأشخاص، ولا من حيث المكان، ولا يتركك وحيدًا طالما أبقيته معك.