2017-08-23 | 03:07 مقالات

الإزميل الأول "سليمان الفليح"

مشاركة الخبر      

لم تمرق الذكرى الرابعة على رحيله عاريةً من الصوت والرائحة، نستذكر وجهه وتتداعى معه أصوات رجالٍ يلعبون "الدحة" ورائحة القهوة الآتية من أروقة الخيام. لقد مضى شاعر بدوي يُدعى "سليمان الفليح"، وقبل أن يمضي أبقى الكثير، ولج إلى المدينة قادمًا من الصحراء، وحين عثر هناك على حبّات رملٍ بقيت عالقة في جيب ثوبه، أقسم أن يُنبتها قصائد. كان الفليح يُحرّض على الشعر والغناء والكتابة بين أبناء عمومته، الذين كانوا لا يؤمنون عميقًا بآدابٍ فنّية تحاكي دواخلهم، الفليح آمن "مثلهم" بالربابة التي ألفوا الانتشاء بأنينها، وآمن "خلافهم" بالسرد الكتابي، وأخيرًا قالت مسيرته: إنه جميل أن تكون "مبدعاً"، وعظيم أن تكون "رائداً". 

 

ينذر الفنان نفسه كإزميل ينحت وجه مجتمعه ويمنحه الخلود عبر الفن؛ لذا "سليمان" إزميل أولاً. قبل بضعة أسابيع حدث أمامي حينما سخر أحد الرجال شبه الأميين من الآخر، حين ذكّره كيف كان يقرأ نصف المقالة لسليمان، ثم يحتفظ بالصحيفة حتى يقرأ نصفها لاحقًا، فلا مجد يطلبه المبدع الخلّاق بعد أن يجعل العاديون غير المولعين بالأدب محمومين لتتبع نتاجه حدّ يشق عليهم ابتلاع مقاله دفعةً واحدة؛ ولأن الأوائل ـ أمثال الفليح ـ انبروا لكشف العالق بأطراف قلوبنا، وخاضوا بأذهانهم خالقين التراكيب اللغوية والأصوات والنعوت والتشابيه الجديدة، فُرض علينا أخلاقيًّا جلبهم من الذاكرة نأبّنهم ونزيح عنهم أتربة النسيان؛ لئلا نكون من الجاحدين. شكرًا لكلماتهم التي خلقوها ودنت نحونا كثيرًا حد أنها كادت تطابق لما في أنفسنا، شكرًا لأنهم طردوا خيار الصمت ولهجت ألسنتنا فرحًا بأناشيدهم. رحم الله الفليح الذي أعلمنا بأن الصحراء أيضًا تعشب بشرًا كإياه.