2017-03-22 | 03:33 مقالات

عبقريّة الموسيقى

مشاركة الخبر      

ـ في موسيقى محمد الموجي قلق فلسفي وحيرة وجدانيّة، قارئة الفنجان، ورسالة من تحت الماء، كانتا نصوصاً نزاريّة خصبة لمثل هذا الدفق الموسيقي، ومن حسن الحظ أنهما كانتا من نصيب الموجي لحنياً.

 

ـ هذا الحظ سينال من الحسن نصيباً وافراً أيضاً، فيما لو ذهبت الموسيقى باتجاه أي ملحِّن عبقري آخر، لكن بزخم فلسفي أقل مما صبّه الموجي في جُمَلَه اللحنيّة، باستثناء سيأتي ذِكْره.

 

ـ لنتخيّل أن القصيدتين كانتا لغير الموجي، لعبقريات موسيقيّة أخرى، ما الذي كان يمكن لسيّد مكّاوي فعله مثلاً؟!، سيجعل منهما أقل وحشةً، سيتّجه بجملته اللحنية إلى قلب العاشق، وسيحافظ على انتظام النبض، في مِعمار يتعمّد مزج البسيط بالعادي، إلى أن يقترب من القفلات الغنائية، عندها سيقرر بعبقريّته ما يلزم، إمّا هبوطاً حادّاً يحمل في طيّاته نُعاس طفل يتمرجح بين يدي أمّه، شبيه بقفلة " حلوين من يومنا والله وقلوبنا كويّسة"، وإمّا صعوداً يشبه مرجحة الصغار ليس بين أيادي أمهاتهم هذه المرّة ولكن في مراجيح "الموالد" الشعبيّة: "ما تخليش الدنيا.. تلعب بيّا وبيك.. خلّي شويّه عليّا.. وخلّي شويّة عليك"،.

 

ـ بمعنى أو بآخر، فإن سيّد مكّاوي سيمنح الكلمات دفئاً أو مرحاً. 

 

ـ موسيقى سيّد مكّاوي طيّبة لا تخيف ولا تجرح، ولأن ذلك لم يحدث فإننا نظن أن إشكالية عويصة ستحدث بين طبيعة الكلمات والموسيقى، لكني أظن أنه وفيما لو قُدِّر للكلمات أن تكون بين يدي سيّد مكّاوي فإنه سيجد لها حلولاً وطرائق، تجعل مما لا نظنّه يتوافق، وكأنه خُلِق من الأساس للتّلاقي!.

 

ـ ماذا لو أن الفنجان والرسالة كانتا من نصيب الرحابنة؟، لن تكون مفاصل أي مقطع مرتخية، حِس الخَطْو الجماعي الآتي من إرث "الدّبكة" سيمنع ذلك، أو يحدث العكس تماماً: تترنّح الكلمات متمايلةً مثل بَحّارة في خمّارة ميناء!.

 

ـ يمكن لصفير الصغار أن يظهر للعاشق في فنجانه، تماماً كما حدث مع "حَنّا السّكران"، ويمكن لقارئة الفنجان نفسها أن تذوب في الموسيقى وأن تُذيب الموسيقى في نفس اللحظة، قارئة الفنجان في النغمة الرحبانية لن تكون داكنة، إما "شهرزاد القصيدة" جسماً وحسماً، وإما "ماريّا" رايةً وغوايةً: "يا ماريّا .. يا ماريّا.. يا مْسَوْسِحَه القبطان والبحريّه.. يا مْسَوْسِحه القبطان".

والعاشق الذي يتنفّس تحت الماء، لن يغرق، حتى لو كرر "إني أغرق" عشر مرّات، فلن يكون القول طَلَب نَجْدَة، وسيتلوّن التكرار بغمزات مراوِغة لمُحِبّ.

 

ـ موسيقى الرحابنة لا تتجهّم ولا تعرف النّكَد، وهي مُضيئة وماطرة، وعلى طاولتها، ومهما كثُر الجُلّاس، يُوجد دائماً مقعد فارغ لعابرٍ، والدعوة مفتوحة، كل ما عليك فعله هو أن لا تُحدث ضجيجاً عندما تودّ الخروج. 

 

ـ موسيقى الرحابنة على كل محبتها واقترابها من الناس، لا تُحبّ التصفيق! موسيقى للأُذُن وليست للإستئذان.

 

ـ ماذا لو كان لحن القصيدتين لبليغ حمدي؟!، جُملة بليغ حمدي مُفعمة بعاطفة، لكن عاطفة الموسيقى هنا آتية من الذٌكرى وذاهبة إلى الحنين. 

 

ـ موسيقى بليغ حمدي تمحو المُضارع لصالح الماضي!، كل ما في أوتاره يلعب على "كان وأخواتها"، فتنة الحنين ليست سراً في موسيقى بليغ، لكنها مصدر وخصوصيّة!

ولسوف تبدو "إني أغرق" في جُملته، وكأنها "إني غرقت من سنين"، رغم أن الكلمات ستبقى على حالها دون تغيير.

 

ـ موسيقى بليغ حمدي ضد التهديد والوعيد، تكاد تكون رجاءات مُتلاحقة.

 

ـ حسناً، وماذا عن محمد عبدالوهّاب، هذا الداهية سيتمكن من صناعة كل ما سبق دُفعة واحدة! عبدالوهاب استثناء.

 

ـ الموسيقى الرائعة ليست عبدة للكلمات ولا لمعاني الكلمات، هي ملكة مُتوّجة، تعدل وتبطش وتُثبِت وتُغيِّر وتُؤكِّد وتُشكِّك في المعنى مثلما يحلو لها، والعبقريّة في أننا سنجد الكلمات نفسها قادرة على قبول ومنح هذه الآفاق والتّجليّات بمرونة عجيبة.