2017-08-25 | 00:00 مقالات

وهرب سبعة عشر رجلا

مشاركة الخبر      

متنقلة بين الكوميديا والتراجيديا والأكشن ودراما عصابات السطو والسرقة والجريمة، قدمت السينما الأمريكية ما يقارب المئة وسبعين فيلمًا تحكي عن عمليات سطو مسلح تعرضت لها البنوك.. وهذا الرقم الكبير من الأعمال على الشاشة، يبدو عاكسًا لما تحويه الوقائع من عمليات مشابهة.. وفي ولاية نورث كارولاينا الشهيرة بتصدير التبغ، سرق رجل عجوز اجتاز الستين من عمره دولارًا واحدًا فقط من البنك، وفي التحقيق معه قال إنه أقدم على جريمته النكراء؛ من أجل دخول السجن والحصول على رعاية صحية تساعده على ما تبقى من أيام العمر.. هذا لا يعدو كونه خبرًا طريفًا لولا أنه مؤشر لحرب طويلة ومتفاوتة تخوضها البنوك بكل ضراوة مع الخارجين عن القانون، والباحثين عن الثراء السريع بطرق محرمة تمشي عكس التيار الطبيعي.. وليس في أمريكا وحدها تسرق البنوك.. في كل مكان حول العالم تعرضت مباني ومقرات البنوك للسطو في وضح النهار، رغم الحراسة المشددة وعشرات الكاميرات المزروعة في داخل وخارج تلك البنايات المكتظة بالأوراق المحببة للنفس.. وفي البرازيل وقعت أكبر حادثة سطو على بنك طوال التاريخ، حينما تمكن خمسة وعشرون شخصًا من سرقة سبعين مليون دولار، بعد تخطيط متقن وعملية صعبة ومعقدة اضطروا خلالها لحفر 256 قدمًا تحت الأرض؛ ليكون نفقًا يعبرون منه إلى صالة الفلوس.. وتمت العملية بنجاح يوم السادس من أغسطس عام 2005، وتمكنت الشرطة فيما بعد من القبض على ثمانية فقط من أفراد العصابة، فيما لا يزال السبعة عشر الآخرون ينعمون بالحرية والملايين، وإذا كانوا قومًا يعرفون الحق والعدل، وقرروا تقاسم الغنيمة الوفيرة بالتساوي؛ فكل واحد منهم سينال أكثر من أربعة ملايين دولار بقليل..



وولادة البنوك كما يقول التاريخ ليست حديثة؛ لأنها عرفت في العصور القديمة خلال الحضارة الآشورية وبابل، قبل ألفي عام قبل الميلاد، وكانت تنحصر تعاملاتها على قروض يتحصل عليها مزارعون، وأيضًا تجار من تجار آخرين.. واستمرت القروض والودائع في العصور اليونانية والرومانية القديمة، وكذلك في الهند والصين.. أما البنوك الحديثة فهي من الإنتاج الإيطالي.. ففي عصر النهضة بدأت تنتشر في المدن الغنية مثل سيينا وفلورنسا وجنوى، وسيطرت عائلة باردي وعائلة بيروتزي على هذ القطاع طوال القرن الرابع عشر، ثم تمدد نشاط العائلتين المصرفي وافتتحتا فروعًا في عدة دول أوروبية.. وأشهر البنوك تلك الفترة فكان بنك مديتشي وبنك سان جيورجيو.. أما كلمة بنك فهي إنجليزية، حيث أخذها الإنجليز من الفرنسيين الذين أخذوها من الطليان، والطليان اشتقوها من اللغة الألمانية القديمة.. وأقوى بنك في العالم هو بنك الاقتصاد والتجارة الصيني، برأس مال يفوق حاجز المئتين وسبعة وسبعين مليار دولار، بينما يعتبر البنك الزراعي الصيني أكبر بنك من حيث الموظفين، حيث يعمل فيه أكثر من 440 ألف موظف، موزعين على 24 ألف فرع.. وتخلو قائمة أقوى عشرة بنوك عالمية من أي بنك شرق أوسطي أو إفريقي.. 



والشاعر سعود المطيري يقول في بيت شعر ساخر وشائع: "البنك لولا لوحته ما عرفناه .. من قل ما ندخل على موظف البنك".. وبالتأكيد أن كافة أولئك المجرمين السارقين الذين اقتحموا البنوك ونهبوها، ظلوا يرددون في أعماقهم هذا البيت، حتى إن اختلفت الكلمات واللغات.. ولو كانوا غير ذلك مثل الناس الأسوياء يذهبون إلى البنك وقت الحاجة، لما فكروا لحظة واحدة في المغامرة بحياتهم وأعمارهم من أجل صفقة نسبة نجاحها ضئيلة وضعيفة إلى أبعد الحدود.. فالعصابة البرازيلية نجا أغلب أعضائها، لكن حتى هؤلاء الناجين تطاردهم مخاوف وصول قبضة الأمن إليهم.. وتطاردهم أيضًا كوابيس الضمائر التي تصحو أحيانًا بعد فوات الأوان.