2019-03-30 | 22:51 مقالات

إبداع القراءة والتّلقّي!

مشاركة الخبر      

ـ هل يمكن لقارئ أن يتأمّل قصيدةً أعمق ممّا يمكن لشاعرها أن يفعل، وأن يستخرج منها دفقات معنى وإشارات ضوء أكثر ممّا ظنّ شاعرها أنه أودع فيها؟!. ظنّي: نعم!.
ـ قبل أن نستفيض في هذا الظن، أقول: ما لا يمكن للقارئ، ولا لغيره، هو أن يكتب هذه القصيدة، هذه اللاإمكانيّة تشمل الجيّد والرّديء من الشعر، وتَعُمّ القارئ الفطن الموهوب المصقول والقارئ العادي غير المُحصّن قليل النباهة!.
ـ الكتابة عمومًا بصمة، والبصمات لا تتشابه، يمكن لبصمتك أن تكون أعظم أثرًا، ويكون لتوقيعك جمال وحرفيّة أعلى، لكنه لن يكون هو نفسه توقيعي السهل المرتبك، كما أنك لن تقدر على تقليد بصْمتي، مهما كان هذا الذي بصمتُ عليه ساذجًا ويستحق الإهمال!. يُسمّى ذلك تقليدًا وتزويرًا، ويُعَدّ سرقة!.
ـ لكن بالتأكيد، وكل تأكيداتي ظنون!، يمكن لي متى ما كنتُ قارئًا جيّدًا للشعر، مالكًا لموهبة قرائيّة أصيلة ومصقولة، أن أقرأ قصيدتك بوفرة جمالٍ أكثر مما ظننتَ أيها الشاعر المبدع الجميل أنك أودعتَ فيها!.
ـ يمكن للقارئ الموهوب أن يفعل ذلك، مثلما يمكن للقصيدة البديعة أن تقع بين يدي قارئ لزِج المشاعر، رثّ الوعي، مهلهل الموهبة، ضعيف الدراية، فاسد التأمّلات، وعندها ستتجمّد القصيدة، تبهُتْ، ويتلاشى كل ما فيها من عطر وضوء، وتصير مسخًا أو نُكتةً بائخة!.
ـ في مسألة التلقّي، والتي هي حياة الفن ومماته، يبقى الفنان المبدع هو وحظّه!. أما القارئ، المتلقّي عمومًا، فإنه أسعد حالًا: يبقى هو وذوقه!.
ـ الفنّان يقدّم منجزه للجميع، يأخذه ويتعامل معه من يريد من الناس كيف شاء!. أمّا المتلقّي فلا يتقدّم إلا نحو ما يريد هو، يتّجه إلى ما يراه جميلًا وفاتنًا ومثيرًا للنشوة والتأمّلات، مُقصيًا بسهولة كل ما لا يراه كذلك!.
ـ نرجع الآن إلى سؤالنا. وقد أجبت بما أظن: نعم، يقدر القارئ الموهوب على الإضافة والإضفاء!.
ـ يفعل ذلك دون ليّ ذراع العمل، ودون إنكار معانيه وجماليّاته التي بثّها الفنان في العمل. القارئ يمكنه حمل هذه المعاني والجماليّات إلى آفاق أرحب، آفاق لم تخطر في بال الفنّان نفسه، لكنها حتمًا مدفونة في قلب العمل!.
ـ إن أطيب حديث عن الموسيقى، وأجمل تفسيرات للوحات الفن التشكيلي، وأدق تأمّلات في الأعمال الروائية الخالدة، جاءت من مستمعين ومحبّي رسم وقرّاء قصص، ولم تأتِ من الموسيقيين أنفسهم ولا من الرسّامين أنفسهم ولا من الروائيين أنفسهم!.
ـ في الموسيقى، التي هي بسبب ذلك تبدو أعظم الفنون، يتجلّى الأمر أكثر!. قد يتحدث عمر خيرت أو ياسر عبدالرحمن مثلًا، عن حركة جديدة أضافها كل واحد منهما، عن نغمة قافزة، عن بطء أو سرعة متعمّدين، عن دمج آلة بآلة لأوّل مرّة، وقد يتحدث كل منهما عن سبب الإضافة ومعنى الجملة الموسيقيّة، وعن.. وعن..!.
ـ وكمستمع، قد لا أعرف اسم هذه الحركة، كما قد لا أعرف من أجل ماذا وُضِعَتْ هذه الموسيقى، ولا أدري عن موضوعها شيئًا، ولكنني فيما لو كنت مُحبًّا، ومستمعًا جيّدًا للموسيقى، فإنني دون أدنى شك أقدر على وصف مشاعر هذه الموسيقى وعبقريّتها، وقد أقع على تعبيرات مُضيئة بأشكال طيّبة وافرة الكشف فيما يخص أسرار هذه الأعمال!.